لا شك أن لبنان كان على رأس قائمة محادثات القمة الثنائية التي جمعت هذا الأسبوع الرئيسين أوباما وهولاند . وكيف لا والملف اللبناني أصبح جزأ من الملف السوري الذي يخطف الأنظار كلها ويستحوذ معظم الجهود البلوماسية التي لم تفلح حتى الساعةلا إلى وقف النر ولا إلى إيصال الغذاء إلى المحاصرين. لم يعد سراً على أحد مدى إرتباط الساحة اللبنانية بما يجري في الداخل السوري. إنخراط حزب الله في المعركة الدائرة هناك أسقط الحكومة في لبنان وشل المؤسسات ويضع اليوم الجمهورية برئاستها أمام خطر الفراغ الدستوري. والأخطر من ذلك إن هذا التدخل أضفى على هذه الحرب بعداً مذهبياً فحول الساحة السورية إلى قطبٍ جاذبٍ للأصولية الدينية وساحةٍ للعنف والإرهاب. نار الفتنة أطاحت بالإستقرار اللبناني الهش. توالت التفجيرات في الأحياء السكنية الآمنة وطالت يد الغدر الدبلوماسيين والقيادات السياسية حتى طغت على البلد الصغير لغة القتل والقتل المضاد. اللغة نفسها تعلو في العراق. وقد تُعمم على كافة منطقة الشرق الأوسط .
يدرك كل من الرئيسين هذه الحقيقة. يلتقيان على نفس الأهداف القائلة بالحفاظ على الإستقرار في الشرق الأوسط أولى خزانات النفط في العالم. كلاهما يقول بضرورة وصد الإرهاب والحؤول دون تنامي الأصولية الدينية. صحيح أن السياسية الأميركية في الشرق الأوسط لا تتماهى مع السياسة الفرنسية بشكل تام. وصحيح أن السياستين تمايزتا في الفترة الأخيرة. ولكن صحيح أيضاً أن هناك شراكة فرنسية أميركية تجلت في أكثر من مجال كان أبرزها دعمهما المشترك للمعارضة السورية المعتدلة ومحاولتهما الدؤوبة لتحييد لبنان عن الصراع الدائر في سوريا كما عبر عنه الرئيسين أوباما وهولاند في مقال حمل توقعيهما عشية لقائهما.
لم تغب أي من دبلوماسية البلدين عن شؤون بلد الأرز. لا بل كانتا في صلبها وما المحاولة الأخيرة لإنتشال لبنان من الشلل الدستوري وتسهيل تشكيل الحكومة المتعثر منذ ما يقارب العام سوى أبلغ دليل على ذلك. لعبت كل من باريس وواشنطن دوراً محورياً في هذا الصدد.فجأة قام لافروف القريب من دمشق ومن طهران بزيارة سعد الحريري في مقره في العاصمة الفرنسية. في وقت مواز أوفد السفير الأميركي دافيد هيل إلى الرياض لتسويق التسوية الحكومية. كانت الأمال مبنية على ليونة أظهرها الطرف الإيراني قبيل محادثات جنيف.
لكل من الطرفين الفرنسي والأميركي وزنه على الساحة الدولية. ولكل أسلوبه أيضاً. طبعاً تختلف الأوزان. ما من قوة تضاهي القوة والنفوذ الأميركين. ولكن الطرف الفرنسي يبدو في الفترة الأخيرة وكأنه أكثر حضوراً على الساحة الشرق أوسطية. وكأني به يحاول التعويض عن التفاوت بالأوزان بدبلوماسية أكثر زخماً وإنخراطاً في شؤن المنطقة وشؤون المشرق تحديدأ ولأسباب تاريخية. لا شك أنه يحاول الإفادة من تراجح الحضور الأميركي في المنطقة بعد المراجعة أو إعادة التصويب التي قامت بها إدارة أوباما لسياستها الخارجية. حاول الفرنسيون الإفادة من القوة العسكرية الأميركية. وقفوا ألى جانب واشنطن في عملية التحضير لضربة عسكرية على سوريا في لحظة تاريخية بالغة الدقة. وفروا لها الغطاء الأوروبي والدولي خاصة بعد ما خزلت المملكة البريطانية بلاد العم سام. ولكن في النهاية عاد الرئيس الأميركي عن قراره بعد ما أعد العدة له تاركاً الرئيس هولاند في مواجهة سيل من الإنتقادات اللازعة الصادرة من الداخل الفرنسي ومن خارجه. لم تنسى واشنطن ما تكبده الرئيس الفرنسي نتيجة إنعطافة أوباما المفاجئة. ولاشك أنه للتعويض عن ذلك أحاطت زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة بهذا القدر من الحفاوة. أما على المستوى الحضور في الشرق الأوسط لم تقف فرنسا جامدة وحيدة إنما إستحدثت فرنسا البديل عن قدرات وفعالية الحليف الأميركي. عززت شبكات علاقتها في المنطقة لا سيما تحالفها مع المملكة العربية السعودية. برز المحور الفرنسي السعودي فيما خص ملفين على وجه التحديد: الملف اللبناني من خلال دعم الشرعية اللبنانية المتمثلة بالجيش ورئيس الجمهورية، والملف السوري من خلال دعم المعارضة المعتدلة سياسياً وميدانياً. وكانت أبرز إنجازاتها البرنامج السعودي الفرنسي الذي تم الإعلان عنه أخيراً من أجل تسليح الجيش اللبناني والتي بلغة قيمته 3 مليار دولار.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.