ينعقد في باريس يومي 5 و 6 آذار مؤتمر سياسي تنظمه "المجموعة الدولية لدعم لبنان". يأتي هذا المؤتمر في سياق عملية دعم واسعة النطاق أطلقتها هذه المجموعة في أول إجتماع لها في 25 أيلول عام 2013 على هامش أعمال الجمعية العمومية.
أما الأهداف المعلنة فتندرج ضمن محاور ثلاثة. المحور الأول : دعم لبنان إقتصادياً لا سيما في مواجهة تداعيات الأزمة السورية على إقتصاده. وكانت أولى القرارات، وعلى ضوء توصيات البنك الدولي الذي أعد تقريراً في هذا الخصوص، إنشاء صندوق إئتماني لمواجهات تحديات تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان والذي فاق عددهم بأشواط قدرة الإقتصاد اللبناني على التحمل لا بل أصبحت هذه الأعداد تشكل خطراً على ديمومة الكيان اللبناني القائم على توازنات دمغرافية دقبقة. أما المحور الثاني فيتعلق ببناء قدرات المؤسسات العسكرية الشرعية وكانت باكورته ما أعلن عن شراكة فرنسية سعودية في هذا المضمار تجلت في برنامج مشترك لدعم الجيش اللبناني بعتاد فرنسي وبتمويل سعودي، برنامج يمتد على أربع سنوات وتبلغ قيمته ثلاث مليارات دولار. ويندرج ضمن المحور الثالث دعم العملية السياسية بما يعني ذلك من دعم للمؤسسات الشرعية المهددة بالفراغ. وما تشكيل الحكوة اللبنانية أخيراً سوى تكليل لهذه الجهود. فلا يغيب عن بال أحد أن تشكيل الحكومة تم بفعل جهود قامت بها الأطراف الداعمة والتي تحركت على خط باريس –واشنطن والرياض والتي لم تغب عنها طهران وليس من المبالغة القول أن الظروف التي واكبت عملية التشكيل إنما تأثرت بأجواء الإنفتاح الإيراني الأميركي. ولكن لا بد من القول أن التسوية التي أنتجت الحكومة اللبنانية هي تسوية بالحد الأدنى بالكاد سمحت بتخطي الفراغ الحكومي بالشكل فقط. وما عجز الفرقاء الداخل حتى اليوم عن صياغة بيان وزاري سوى الدليل الدامغ على المشاكل الأساسية التي تعيق التوافق الداخلي والتي تحول بالتالي دون قيام دولة فاعلة وقادرة.
والسؤال اليوم ما هو أفق هذا المؤتمر العتيد وما هو هامش إمكانياته ؟ بتعبير آخرما يمكن الإنتظار منه خاصة أن الظروف التسوية الإقليمية لم تنضج بعد وهذا ما تدل عليه تعثر المفاوضات في جنيف 2 وإستمرار المعارك لا بل تصاعدها في الداخل السوري. العنوان الأساسي لمؤتمر باريس يمكن إختصاره بكلمة واحدة وهو "تحييد" لبنان عن الصراع الدائر في سوريا. فتبني المجموعة الدولية لإعلان بعبدا كان لافتاً و قوياً وأعطى لهذه الوثيقة مشروعية دولية تفوق مشروعيتها الداخلية. ومن المفارقة بمكان أن يجتمع الأفرقاء الدوليون وتحت مظلة الأمم المتحدة على تبني "إعلان بعبدا" وتبقى الحكومة اللبنانية عاجزة عن تبنيه في بيانها الوزاري. فاللجنة الموكلة إعداد البيان الوزاري والذي خاضت إجتماعها السادس من دون التوصل إلى إتفاق ما زالت عالقة عند هذه النقطة تحديدا. ومفاد الأمر أن حزب الله مازال متمسكاً ببقاء قواته العسكرية في الداخل السوري. وهذا يعني أن التسوية التي قادتها مجموعة الدعم الدولية لم تتطرق إلى هذا الأمر أو أنها حاولت و لم تستطع حسمه فأبقته خارج التسوية. فقرار الإنسحاب من سوريا هو قرار إيراني بالدرجة الأولى ويتطلب بالتالي تسوية مختلفة و لا شك أنه يفترض أيضاً إطار مفاوضات مختلفاً. والقاضي والداني يعلم أن إنكشاف الساحة اللبنانية والإنفلات الأمني وتغلغل الإرهاب في العمق السكني الشيعي لهو مرتبط بتطورات الوضع في سوريا وبإنخراط حزب الله إلى جانب قوات النظام. وفي المحصلة أن التسوية التي أنتجت تشكيل الحكومة لم تتمكن من إنتاج برنامج حكم أو قاعدة سياسية لإستقرار مستدام. وهنا السؤال : ما بقي أمام مؤتمر باريس وما هو أفق الممكن ؟
سوف يقوم المؤتمر بتفعيل آليات صندوق الدعم المقرر خاصة وأن أكثر من طرف لم يدفع بعد المبالغ المرصودة ، كما من المتوقع أن يتم الإعلان عن تفاصيل مؤتمرات لاحقة سوف تعقد في روما من أجل مواصلة برنامج بناء قدرات الجيش اللبناني. أما فيما يتعلق بالعملية السياسية يبقى التحدي الأساس هو تأمين إنتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهل الدستورية أي في أيار المقبل. قد تقتصر جهود مجموعة الدعم الدولية على ملء الفراغ في سدة الرئاسة وليس أكثر أي لن تتناول الشروط الممكنة لنجاح عهد رئاسي ولإستقرار مستدام. هذه أفق التسوية الممكنة حتى اليوم وهذا ما يسمح به هامش الحوارمع إيران. قد يتفق الأفرقاء أجمعين على ضرورة مواجهة العدو المشترك ، الخطر الداهم والمستحدث ،ألا وهو الإرهاب المتمثل بتنامي المجموعات الجهادية. لن يتعدى الإتفاق حدود تسمية العدو ويتطرق إلى معالجة المشكلة من جذورها. سوف تعلن المجموعة دعمها لتحييد لبنان ولإعلان بعبدا. أما وضع هذا الإعلان موضع التنفيذ مسألة أخرى لم يحن وقتها بعد. وفي إنتظار هذه اللحظة إذا ما أتت يستمر حزب الله بمعركته الوجودية القاضية بحماية خاصرته الإسترتجية في سوريا..بينما يعترض أعدائه على هذا الوجود لفظياً أما في الواقع لا يستفزهم إنغماسه كل يوم غي المستنفع السوري.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.