مفارقة قد لا تكون غريبة عن منطقة الشرق الأوسط ومنطق الصراع فيها، أن تؤدّي خطوة بعينها إلى استهدافات متناقضة. ففي 24 شباط/فبراير الماضي أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على نقطة حدوديّة بين لبنان وسوريا. غارة خلّفت ردود فعل متطابقة من الإرباك والإحراج لدى سلطات دمشق، كما لدى معارضيها. ولدى حلفاء تلك السلطات في بيروت، كما لدى أعدائها! مع فارق أن الإحراجَين السوريَّين اتّصفا بالصمت الكامل. أما الإحراجان اللبنانيان فقد تحوّلا سلسلة لم تنتهِ من السجالات، قد تطيح بالحكومة الهشّة التي ولدت في بيروت قبل الغارة بتسعة أيام.
من الناحية السوريّة أولاً، يبدو الإحراج لدى طرفَي الصراع هناك مفهوماً. فالسلطات السوريّة الرسميّة باتت منذ أعوام مربكة حيال تلك التصرفات العدوانيّة التي تنفّذها إسرائيل، لجهة عجز دمشق عن الردّ عليها. يكفي تعداد الغارات الإسرائيليّة الأخيرة على الأراضي السوريّة وفي خلال تلك الحرب الداخليّة، لتأكيد ذلك:
ففي 29 كانون الثاني/يناير 2013 أقرّت دمشق بأن غارة جويّة إسرائيليّة استهدفت مركزاً للبحوث العلميّة التابع لوزارة الدفاع في جمرايا بالقرب من العاصمة السوريّة. ثم في الثالث من شباط/فبراير من العام الماضي أيضاً، نفّذ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات مماثلة في سوريا، لم يلبث وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أن أكّد حصولها. وفي ظلّ صمت سوري رسمي، جاء الردّ الكلامي عليها من طهران، إذ أعلن يومها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي أنّ إسرائيل "ستندم على عدوانها مثلما ندمت في عدوانها على لبنان وغزّة". لكن الخطوة تكرّرت في الثالث من أيار/مايو 2013، وكذلك في السابع من تموز/يوليو من العام نفسه يوم أكّد مسؤولون أميركيّون وقوع غارات حربيّة إسرائيليّة استهدفت صواريخ "ياخونت" الروسيّة المتطوّرة بالقرب من اللاذقيّة. ولم يصدر تعليق رسمي من دمشق أو من تل أبيب. وهو ما حصل مجدداً في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2013 في المنطقة نفسها، قبل أن تأتي غارة 24 شباط/فبراير 2014 على منطقة جنتا، الواقعة على الحدود بين لبنان وسوريا. سلسلة طويلة تجعل إحراج العجز السوري الرسمي وإرباك صمته مفهومَين.
غير أن إحراج معارضي النظام في دمشق لا يبدو أقلّ حيال الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة، خصوصاً في ظلّ سيل من التحليلات الصحافيّة حتى في وسائل الإعلام الإسرائيليّة نفسها، عن أن هذه الغارات يمكن أن تساعد معارضي [الرئيس السوري] بشار الأسد وأن تشكّل فرصة لهم لتصحيح موازين القوى العسكريّة المختلة لصالح النظام.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.