لم تصمد الهدنة السياسيّة في الداخل اللبناني طويلاً. فقد عاد السجال بين حزب الله ورئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ليحتدم مجدداً. ولا عجب في ذلك، فنقاط الخلاف نفسها ما زالت عالقة من دون حلّ، وهي تتمحور كلّها حول سلاح حزب الله وانغماسه في الحرب الدائرة في سوريا.
قبل الحرب السوريّة، كانت مسألة ازدواجيّة سلاح الجيش وسلاح "المقاومة" نقطة خلافيّة بين فريقَي 8 و 14 آذار. أما رئيس الجمهوريّة فكان في تلك الفترة في موقع وسطي، يحاول من خلال طاولة الحوار إيجاد مقاربة جامعة للتوفيق بين ضرورات المقاومة ضدّ الأطماع الإسرائيليّة وبين ومقوّمات السيادة اللبنانيّة ومبدأ حصريّة السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة من جهة والتزامات لبنان الدوليّة من جهة أخرى، بخاصة في ما بتعلّق بتطبيق القرارات الدوليّة لا سيّما القرار 1701. وقد تجلّى هذا التوجّه بشكل واضح في طرحه لـ"الإستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة المتكاملة" التي وزّعها على المشاركين في طاولة الحوار في العشرين من أيلول/سبتمبر من العام 2012.
من سمات رؤساء الجمهوريّة الموارنة في لبنان أن يمضوا السنوات الثلاث الأولى من عهدهم وهم يحثّون على الوفاق الوطني ويمدّون الجسور بين مختلف الأحزاب والمكونات اللبنانيّة، وذلك لضرورات الحكم التوافقي وإن كان في بعض الأحيان على حساب الثوابت المسيحيّة التاريخيّة. أما السنوات الثلاث الأخيرة فغالباً ما كانت تتّسم بتمسّكهم بمقتضيات السيادة اللبنانيّة وبتشدّدهم في الدفاع عنها، فيرتدّون إلى التيار السيادي الغالب لدى طائفتهم ويتماهون مع ثوابتها التاريخيّة. هكذا، فالنصف الأول من العهد عنوانه الوفاق وضرورات الحكم، أما النصف الثاني فيندرج تحت فصل السيادة والدفاع عن الجمهوريّة.
لم يكسر الرئيس ميشال سليمان هذه القاعدة التي أصبحت شبه لازمة لدى الرؤساء الذين تعاقبوا على السدّة الأولى. وما رفضه لفكرة التمديد لولاية ثانية كما أعلن في مناسبات عدّة، سوى دليل إضافي على عدم استعداده للمساومة على الثوابت استرضاءً لهذا الناخب أو ذاك. ولا شك في أن ما شجّعه أيضاً على التشدّد في المسائل السياديّة هو يقينه لضرورة عودة التوازن إلى المعادلة الداخليّة، بخاصة بعد إنهيار فريق 14 آذار في أعقاب إسقاط حكومة سعد الحريري في العام 2011. ومن يعرف لبنان يعرف جيداً أن التوازن هو شرط موجب لاستقرار البلد المتعدّد القائم أساساً على توازنات دقيقة بين مكوّناته التاريخيّة والثقافيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.