قرار المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة والبحرَين بسحب سفرائها من قطر ليس بالأمر العادي. إنها خطوة غير مسبوقة على صعيد العلاقات الخليجيّة، وتحمل في طياتها أكثر من مدلول حول حقيقة الصراعات القائمة في المنطقة العربيّة وأبعادها وكذلك التبدّل في المعادلات القائمة وموازين القوى. فهل تتخطّى مفاعيل هذا القرار الدول المعنيّة، أي دول الخليج لتطال دول الجوار؟ وهل سيكون لهذا القرار تداعيات على الساحة المشرقيّة، لا سيّما على الساحتين السوريّة واللبنانيّة اللتَين تشهدان صراعاً لا بل حرباً، قرار الدول الثلاث المفاجئ ليس بعيداً عنه [الصراع]؟
صحيح أن الأسباب الموجبة والمباشرة للقرار محصورة في الإطار الخليجي. فالدول الثلاث كما جاء في بيانها المشترك، تتّهم الدوحة بعدم تطبيق "اتفاق الرياض" الموقّع في 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي والذي ينصّ على وقف دعم "الإعلام المعادي" وكل من يهدّد "أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد" عن طريق العمل الأمني أو السياسي والذي يحثّ على التوقّف عن "التدخّل في الشؤون الداخليّة" لأي من الدول الخليجيّة. لكن صحيح أيضاً أن صلب الخلاف الذي طفح الكيل منه هو دعم قطر للمنظمات الجهاديّة والإسلاميّة في الساحات الإقيليميّة كافة، من المشرق إلى المغرب ومن تونس وليبيا ومصر إلى سوريا والعراق ولبنان. وهي [المنظمات] اليوم بدأت تطال دول الخليج بشكل مباشر، فتناصب العداء لأنظمتها وتهدّد استقرارها وتتّخد من الإرهاب وسيلة لها. وما أحداث البحرَين قبل أيام وكيفيّة تعامل الأفرقاء معها، سوى الدليل القاطع على ما آلت إليه الأمور وما قد تؤول إليه إذا لم يتمّ احتواؤها بشكل فاعل وصارم.
لطالما حاولت الإمارة الصغيرة ومنذ عقدَين من الزمن، التمايز عن الدبلوماسيّة العربيّة التقليديّة التي تقودها المملكة العربيّة السعوديّة، حتى بلغت الأمور وفي مراحل عدّة حدّ التناقض الفاضح أو المواجهة المباشرة. وما زالت راسخة في الأذهان مثلاً الحملة الإعلاميّة التي قادتها قناة "الجزيرة" -المعروفة بولائها للإمارة الصغيرة- على أثر حرب الخليج الثانية ضدّ "القوات الأميركيّة المشركة"، والتي طالبت من خلالها بخروج تلك القوات من أرض "جزيرة العرب". انتهت الحملة وكما بات معروفاً باستضافة قطر أكبر قاعدتَين عسكريّتَين أمركيّتَين في منطقة الخليج.
أما المثل الآخر والذي أثار قلقاً وأسئلة كثيرة فهو دخول قطر على الملف اللبناني من بوابة المحور الإيراني-السوري في العام 2008، مستفيدة من تعثّر ثورة الأرز وتفتّت شبكة أمانها الدوليّة مع انتهاء عهد الرئيسَين الأميركي جورج بوش الإبن والفرنسي جاك شيراك وتراجع حضور فريق 14 آذار بفعل أخطاء في أدائه، لكن أيضاً وأولاً بسبب استهدافه أمنياً وسقوط عدد كبير من قياداته ورموزه ضحايا للاغتيال السياسي. ودخلت قطر على خط "الوساطة" مع المحور المتّهم سياسياً بتنفيذ عمليات الاغتيال والذي هو في صراع مع المملكة العربيّة السعوديّة ومع "محور عرب الاعتدال". وأنتجت تسوية ترجمت بـ"اتفاق الدوحة" الذي كرّس عملياً عودة هذا المحور بشكل وازن إلى المعادلة اللبنانيّة. وفي العام 2008 تمّ انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة اللبنانيّة بحضور الأمير القطري شخصياً في مشهديّة تحمل كثيراً من الرمزيّة، بخاصة وإنها التسوية الأهمّ منذ "اتفاق الطائف" في العام 1990 الذي وضع حداً للحرب الأهليّة والذي حمل دمغة المملكة العربيّة السعوديّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.