على الرغم من مرور نحو أسبوعَين على بداية المهلة الدستوريّة لانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة اللبنانيّة، أي بدءاً من 25 آذار/مارس الماضي، تبدو الأمور جامدة على هذا المستوى في بيروت. فلم يسجّل بعد أي مؤشّر حول الموعد الذي سيحدّده رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي، لانعقاد الجلسة الأولى للانتخاب. علماً أن تلك الجلسة لن تكون إلا محاولة جسّ نبض واستكشاف للمواقف. ذلك أن صعوبات كبيرة ومعروفة تحول دون تأمين نصاب الجلسة المطلوب دستورياً، والمحدّد بثلثَي عدد النواب الذين يشكّلون البرلمان، أي 86 نائباً من أصل 128.
ومن الواضح أن "الطبخة الرئاسيّة" كما يسمّونها في لبنان، تنتظر الإشارات الخارجيّة. وهذه لم تصدر واضحة بعد، أو أنها لم تصل إلى العاصمة اللبنانيّة حتى اللحظة. فوسط الانقسام الشديد بين فريقَي الصراع في بيروت، يدرك الطرفان أن لا قدرة لأي منهما على تأمين نصاب الجلسة ولا على تأمين فوز مرشّح أي منهما في دورة الاقتراع الأولى والذي يتطلب 86 صوتاً نيابياً، ولا في دورات الاقتراع التالية حيث يصير نصاب الفوز للمرشّح الرئاسي أكثريّة النواب، أي 65 صوتاً. فالحسابات الانتخابيّة لتوزّع البرلمان اللبناني تبدو قاسية في انقسامها. إذ يبدو أن الفريق الحريري [14 آذار] بكل مكوّناته يملك 57 صوتاً، فيما خصومه في تحالف 8 آذار مع الجنرال ميشال عون يحوزون على العدد نفسه، 57 نائباً أيضاً. أما خلف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط فيقف ثمانية نواب، في حين يتوزّع ستة نواب تحت صفات مستقلة. هكذا يبدو واضحاً أنه لا يمكن تأمين أي نصاب لجلسة انتخاب، إلا بتوافق الفريقَين الأساسيَّين على حضورها. وهو توافق يدرك اللبنانيّون أنه لا يحصل إلا بموافقة خارجيّة. لذلك اتّجهت أنظار بيروت طيلة الأسابيع الماضية نحو التطوّرات الإقليميّة. وستظلّ كذلك في الأسابيع المقبلة. ومن الواضح أن الموافقة الخارجيّة تعني بشكل أساسي، تقاطعاً سعودياً-إيرانياً على انعقاد الجلسة أولاً ومن ثمّ على مرشّح رئاسي تقبل به الرياض وطهران، على أن يكون مرشحاً لا فيتو عليه من الأطراف الخارجيّة الأخرى، روسياً وأوروبياً وخصوصاً أميركياً. غير أن واقع العلاقة المأزومة بين السعوديّة وإيران، يقتضي وساطة طرف ثالث ورعايته من أجل بلورة هذا التقاطع الرئاسي اللبناني. ولذلك كان الاتجاه السائد لبنانياً بالرهان على الانفتاح الغربي–الإيراني وتحديداً بين الولايات المتحدة وإيران، من أجل تمكين واشنطن تحديداً من القيام بهذا الدور. كان اللبنانيّون يعتقدون ببساطة أن العلاقات الأميركيّة-الإيرانيّة ستبلغ قريباً حداً يمكّن الطرفَين من تبادل الرسائل حول قضايا المنطقة، ومنها لبنان. فتتّصل واشنطن بكل من الرياض وطهران، وتستمزج آراءهما حول لائحة أوليّة بالأسماء المحتملة لتولي موقع الرئاسة اللبنانيّة. بعدها يتولى الأميركيّون الغربلة وحصر التقاطعات بينهما. يختارون اسماً، ثم يطلبون مساعدة موسكو وبروكسل لتسويقه، قبل أن يبلغوه إلى السعوديّين والإيرانيّين. فتصل كلمة السرّ من الرياض وطهران إلى بيروت، وتحدّد جلسة للبرلمان، ويتأمّن النصاب، وينتخب الرئيس!
غير أن التطوّرات المسجّلة في الأيام الأخيرة لم تبدُ مشجّعة لإطلاق هذه العمليّة. فاللبنانيّون يراقبون العلاقات والرسائل المباشرة وغير المباشرة بين أطراف تلك المعادلة الدوليّة. يقرأون مثلاً في أحداث أوكرانيا تطوراً سلبياً على خطَي موسكو–واشنطن وموكسو–بروكسل. ثم يقرأون في سلسلة تطوّرات أخرى مؤشّرات سلبيّة مقابلة: مثلاً، لم يكن تصريح مرشد الثورة الإيرانيّة السيّد علي خامنئي حول الهولوكوست إشارة إيجابيّة بعد كلام الرئيس الإيراني حسن روحاني المتمايز حول الموضوع. ثم يعتبر اللبنانيّون أن صدور قرار قضائي أميركي بمصادرة مبنى تملكه إيران في نيويورك، الآن بالذات، ليس إشارة مشجّعة أيضاً. ويتابع اللبنانيّون الردّ الإيراني بالانفتاح على حركة "حماس" والإعلان عن التحضير لزيارة قيادتها إلى العاصمة الإيرانيّة، ويرون فيه تعقيداً جديداً. وذلك وصولاً إلى سلسلة التطوّرات الميدانيّة، بدءاً بالحديث عن تورّط عسكري تركي مباشر وللمرّة الأولى في المعارك على الحدود التركيّة-السوريّة، وانتهاءً بالحديث المقابل عن بدء المواجهة ما بين حزب الله وإسرائيل على مثلّث الحدود السوريّة-الإسرائيليّة-اللبنانيّة. وذلك مع ما سجّل قبل أيام من انفجار عبوة في الجولان وأخرى في منطقة شبعا اللبنانيّة المحتلة من قبل إسرائيل. وذلك بالإضافة إلى مروحة واسعة من التطوّرات، من التأزّم السعودي–القطري إلى عدم ظهور أي وضوح حول مستقبل الاستحقاق الانتخابي في بغداد، والذي يعني طهران والرياض وواشنطن مباشرة...
كلها إشارات تصنَّف في خانة تعقيد مسار انتخاب رئيس لبناني جديد. وهو ما يوحي بأن ثمة جواً جديداً يميل نحو استئخار الانفتاح الغربي-الإيراني، والتريّث الشديد في العلاقة الأميركيّة-الإيرانيّة. تريّث واستئخار قد يكونان نتيجة التأثير الإسرائيلي من جهة والخليجي من جهة أخرى، على التوجهات الغربيّة والأميركيّة، فضلاً عن المصلحة الأميركيّة نفسها. ذلك أن أي تقدّم في العلاقات الغربيّة-الإيرانيّة، لا بدّ من أن يساهم في تقدّم مساعي الحل للحرب السوريّة. وهو ما قد لا يتطابق مع مصالح العديد من القوى الإقليميّة والدوليّة المعنيّة بالمنطقة. ذلك أن الاستمرار في عمليّة التدمير الذاتي لسوريا كدولة ومجتمع ومقدرات كاملة، فضلاً عن استمرار تورّط إيران في تلك الحرب واستنزاف حزب الله فيها مباشرة، قد يكونان أفضل الخيارات المتاحة لبعض الأطراف في المنطقة وخارجها. هكذا، لا تتطوّر العلاقات بين واشنطن وطهران. فلا تكون الأولى مؤهلة الآن للقيام بدور وساطة فاعلة ومتفاعلة بين الثانية والرياض، فيما موسكو على قدر من السلبيّة الأوكرانيّة الظاهرة. بالتالي، لا يكون إيعاز لحلفاء إيران والسعوديّة في لبنان، من أجل عقد جلسة برلمانيّة لانتخاب رئيس جديد، قبل 25 أيار/مايو المقبل، موعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.