شهد العراق تاريخاً طويلاً من الصراع والتقارب في ما بين رجال الدين الشيعة والسنّة. ولعب ذلك دوراً بارزاً في المشهد العام للصراع الطائفي أو للتلاحم بين الطوائف في البلد. وقد شارك هذا العامل مع العوامل السياسيّة والاجتماعيّة الأخرى في رسم مشهد الصراع التاريخي القائم في البلاد. والمشكلة الرئيسيّة هي أن رجال الدين من الطرفَين السنّي والشيعي عاجزون عن إنتاج تقارب وشبكة تواصل حقيقيّة يمكن توظيفها في حلّ أو التخفيف من حدّة الصراع الديني والسياسي، بل إنهم وعلى عكس ذلك قد يلعبون دوراً في تأجيج الصراع في كثير من الحالات بسبب فقدان التواصل المؤسساتي.
قد يجد الباحث نماذج كثيرة من التواصل في تاريخ رجال الدين الشيعة والسنّة في العراق، منها: تتلمذ علماء شيعة على يد أساتذة سنّة والعكس صحيح، وإقامة مجالس نقاش وحوار هادئ وسليم، وغير ذلك من الأمثلة. لكن سرعان ما تنقلب العلاقة الوديّة إلى صراع وخصومة فور دخول العنصر السياسي في ما بين الطائفتَين. وما تجمعه العلاقات الثقافيّة تفرّقه الخلافات السياسيّة بين ليلة وضحاها.
وحين يدخل الخلاف السياسي، يثير معه الخلافات الدينيّة بأكملها ويجعل كل واحد من الطرفَين شيطاناً في تصوّر الطرف الآخر. وتبدأ الاتهامات المتبادلة وتنقطع كل وسائل الاتصال بين الطرفَين.
وكانت سياسات النظام السابق قد أدّت وبخاصة بعد توجهّه الديني في تسعينيات القرن الماضي، إلى تعميق الشرخ ما بين رجال الدين السنّة والشيعة. وقد زاد الطين بلّة حين استغلت التيارات السلفيّة الانفتاح الديني في البلد لتوسّع نشاطها ودعوتها. من جهة أخرى أدى صعود تيار الإسلام السياسي بين رجال الدين الشيعة إلى إنتاج سلفيّة شيعيّة متنافسة بل متضادة مع النموذج السنّي.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.