كشف السجال الأخير حول سلسلة الرتب والرواتب، الخلل الهيكلي للاقتصاد اللبناني لا سيّما على صعيد النفقات العامة. كذلك أعاد طرح أولويّة الإصلاح وضبط الهدر على مستويات الإدارة العامة كافة، حتى ولو أخفق البرلمان اللبناني في وضع خطة لترشيد الإنفاق العام فاكتفى بالحلول السهلة إنما المكلفة، التي تقوم على رفع الضرائب. ولعل أبرز القطاعات التي تتطلب إصلاحاً بنيوياً عميقاً هو القطاع التربوي الذي طالما شكّل مصدر غنى للبنان، أطلّ عبره على محيطه العربي وعلى العالم. والمؤسف أن يكون الأساتذة الفعليّين والعاملين في هذا القطاع هم أوّل من يدفع ضريبة الإصلاح الغائب، من حساب حقوقهم المشروعة. أما الاقتصاد اللبناني فيدفع بالإضافة إلى فاتورة الهدر، ثمن الفرصة الضائعة عليه وعلى الأجيال الطالعة.
كان القطاع التربوي وما زال من أهم ميزات لبنان التفاضليّة. وليس في الأمر عجباً بالنسبة إلى بلد كان يطلق عليه "مدرسة الشرق الأوسط". والأرقام والبيانات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي تؤكد ذلك. ويشير التقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات لعام 2014 الصادر عن المنتدى، إلى أن النظام التربوي اللبناني يحتلّ المرتبة 13 من أصل 148 عالمياً ومردّ ذلك جودته المميّزة ومعاييره العالية. كذلك يحتلّ المرتبة الثانية بعد قطر بين بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويعود الفضل في ذلك إلى القطاع الخاص. أما القطاع التربوي العام فهو بحاجة إلى إعادة هيكلة جذريّة، كما يوصي تقرير صدر الأسبوع الأول من شهر أيار/مايو الجاري عن بنك لبنان والمهجر أحد أهم المصارف اللبنانيّة.
وبحسب ما جاء في التقرير، فإن الإصلاحات في القطاع التربوي العام يجب أن تطال عدد الأساتذة العاملين ومستوى أدائهم التعليمي لا سيّما في مجالات الرياضيات والعلوم. فقد جاءت الأرقام تحمل تناقضاً. على الرغم من مرتبته المميّزة على المستوى العالمي والمشار إليها آنفاً، سجّل لبنان وفق الاتجاهات في الدراسة العالميّة للرياضيات والعلوم (TIMSS) التي تشرف عليها الهيئة الدوليّة لتقييم التحصيل التربوي معدّل 406 في العلوم و449 في الرياضيات وهما دون المستويات العالميّة. وهذا أبلغ دليل عن الفجوة السحيقة بين القطاعَين العام والخاص في المجال التربوي. فإذا ما تمعّنا في الأرقام، لتبيّن لنا أن نصف الأساتذة العاملين في القطاع العام والبالغ عددهم 41 ألف ليسوا حائزين على شهادات جامعيّة. ولا بدّ من التذكير بأن مؤشّر عدد الطلاب/عدد الأساتذة بلغ سبعة لعام 2013 في المدارس العامة، بينما سجّل 13 في القطاع الخاص. خلاصة الأمر أن القطاع التربوي العام يعاني من تضخّم في عدد الأساتذة ومن تدنٍ في مستوى أدائهم على حدّ سواء.
المسألة لا تتعلق بالأموال المنفقة على التعليم العام، بل بالهدر الحاصل وتدني إنتاجيّة القطاع العام في المجال التربوي. فالإنفاق على التربية في لبنان لا يتجاوز 7.1% من النفقات العامة وهو ما دون المستويات العالميّة في البلدان المتقدّمة ودول الجوار، إذ بلغ 14.2% عالمياً لعام 2011 وبلغ 18.6% في مجموعة شمال إفريقيا والشرق الأوسط للعام نفسه. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الإنفاق على التعليم إنما يشكّل استثماراً يساهم في زيادة إنتاجيّة الاقتصاد لا سيّما في عالمنا اليوم، عالم اقتصاد المعرفة، بالإضافة إلى أن الإنفاق في المجال التربوي يشكّل دافعاً للاقتصاد ومحفزاً للنموّ. فالقطاع ككلّ يشكّل 5.5% من الدخل القومي (2011).
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.