الحواجز العسكريّة الكثيفة وطوابير الشاحنات الآتية من بيروت والغابات المعلقة من صور المرشّحين للانتخابات الرئاسيّة، ثلاثة معالم طاغية على العاصمة السوريّة هذه الأيام. أوّل ما يلفت الآتي إلى دمشق من جهة العاصمة اللبنانيّة عبر معبر المصنع، كثافة حركة المسافرين بين البلدَين. سوريّون يتنقلون في الاتجاهَين، ولبنانيّون يحتشدون عند بوابات التدقيق في وثائق الانتقال بين "البلدَين الشقيقَين". بين هؤلاء عدد لا ينتهي من باصات نقل الركاب الكبيرة، من الحجاج الشيعة. تسألهم عن وجهتهم، فتفاجأ بشكل مزدوج. بعضهم ذاهب لزيارة مقام السيّدة زينب، بالقرب من دمشق. تلك المنطقة التي ظلت طيلة سنتَين ونيّف محور قتال عنيف، قبل أن يتردّد أخيراً أن الموقع الديني المقدّس بالنسبة إلى المسلمين الشيعة بات آمناً وفي عهدة القوى المؤيّدة للنظام. وذلك خصوصاً إثر التطوّرات الميدانيّة في منطقة الغوطة. أما البعض الآخر من الحجاج، فذاهب لاجتياز كامل الأراضي السوريّة والوصول إلى العراق، لزيارة الأماكن الشيعيّة المقدّسة هناك. وجهتان يفترض أن تكونا محفوفتَين بالأخطار. لكن الحجاج الشيعة اللبنانيّين مطمئنون. اطمئنان يحرص السوريّون العابرون على تأكيده. يردّون على استغرابك ومفاجأتك بثقة: لا خطر إطلاقاً. كل سوريا مفتوحة لتنقّل الناس بسلام.
بعد عبور الحدود، تبدأ سلسلة الحواجز العسكريّة. أكثر من تسعة حواجز على طول الكيلومترات الأربعين الفاصلة بين المعبر ودمشق. الدواعي أمنيّة. التفتيش دقيق لكل السيارات وكل الركاب. في صفوف الانتظار الطويلة على تلك الحواجز، يشرح لك بعض السوريّين أن الاستنفار الأمني الدائم ضروري وواجب. فالمنطقة، على الرغم من سيطرة الجيش السوري عليها، ما زالت معرّضة لكل أنواع المخاطر والاختراقات. فأنت على بعد مئات الأمتار لا غير من مواقع للمسلحين. هنا أنت تعبر وسط الزبداني، حيث آلاف المسلحين المعارضين الذين ينتظرون مساعي مصالحة بينهم وبين النظام. هذا التجمّع السكاني قبالتك هو منطقة معضميّة الشام، حيث أجريت مصالحة قبل أسابيع، وما زال المسلحون على الأرض. صحيح أن الأمن مستتب، لكن ثمنه هو هذه السلسلة الطويلة من الحواجز وعمليات التفتيش ومعاناة الانتظار تحت الشمس.
عند مدخل الشام، تنسى البعد الأمني ويقفز إلى مشاهداتك البعد الاقتصادي التجاري للأزمة. صفّ لا ينتهي من الشاحنات متوقّف بشكل كامل على الطريق السريع، يسدّ كل المسارب والتفرّعات. إنه المدخل البعيد للمنطقة الحرّة عند مداخل العاصمة السوريّة. من أين تأتي هذه الأعداد الهائلة من الشاحنات؟ من مرفأ بيروت. من الرئة الأهم وشبه الوحيدة راهناً لتنفّس دمشق وسوريا اقتصادياً وتجارياً. السائقون يتحمّلون ساعات الانتظار. أحياناً تستغرق رحلتهم بين المرفأ اللبناني والوجهة الدمشقيّة أكثر من 12 ساعة لاجتياز أقل من مئتَي كيلومتر. التجار يتفهّمون كذلك. والأمر نفسه لدى عابري تلك الطريق الحيويّة عند باب دمشق الجنوبي الشرقي. لولا مرفأ بيروت لاختنقت دمشق وسوريا حياتياً وتجارياً. كل أنواع الواردات محمّلة على تلك الشاحنات، من المولدات الكهربائيّة إلى كل المواد الاستهلاكيّة الأساسيّة. حركة تجاريّة ناشطة، توحي بثروات ضخمة يمكن أن تكوَّن نتيجة الأزمة السوريّة. أمر يؤكده كّل المطلعين على الواقع السوري. حتى أن الناس هناك باتوا يستخدمون مصطلح "تجّار الأزمة" و"أثرياء الحرب".
تبقى صور المرشّحين الرئاسيّين الثلاثة أبرز مشهد دمشقي. بشار الأسد وحسان النوري وماهر حجّار. صورهم تغطي كل الشوارع وأعمدة الكهرباء والمباني والواجهات وكل مكان يمكن أن تلصق عليه صورة أو ترفع فوقه لافتة. الحملة الانتخابيّة ساخنة. الانتخابات يوم الثلثاء في الثالث من حزيران/يونيو المقبل. والشعارات في حرب مفتوحة. يجمع بينها شعار الحملة الرسميّة "سوا" أو معاً، في إشارة إلى وحدة كل السوريّين خلف الرئيس. لا يشكّ أي سوري في النتائج المتوقّعة. فالمرشّح حجّار شيوعي الهوى سابقاً، يساري النزعة، يشغل مقعداً في مجلس الشعب. لكنه محدود الشعبيّة والانتشار. حسان النوري أستاذ جامعي، يعدّ مقرّباً من بعض مسؤولي النظام. ترشيحه مبدئي أكثر منه جديّ. يبقى طبعاً الرئيس الأسد. لكن تركيز المسؤولين السوريّين منصبّ على مسألة أخرى. قد يكون محسوماً فوز الأسد في ولاية رئاسيّة هي الثالثة له. لكن الجهد الرسمي يبذل من أجل رفع نسبة المشاركة في الانتخابات. إنه الموضوع الأهم. وهو ما تركّز عليه الحملات الإعلاميّة عبر وسائل الإعلام السوريّة الرسميّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.