لم ينحدر تنظيم "الدولة الإسلاميّة" من مجتمعات همجيّة، أو من شعوب ما قبل التاريخ، بل هو تنظيم إسلاميّ أصوليّ نبع من رحم الفقه الإسلاميّ المتطرّف. وهو ملتزم في شكل حرفيّ بفتاوى الفقهاء الإسلاميّين المتشدّدين وعلى رأسهم الشيخ ابن تيمية، وعقائدهم.
لا تنطبق هذه الحال على تنظيم "الدولة الإسلاميّة" وحده، بل على كلّ التنظيمات الإسلاميّة الأصوليّة والسلفيّة الجهاديّة، مثل تنظيم القاعدة وفروعه، والإخوان المسلمين، والجماعة الإسلاميّة في مصر، ومن قبلها الحركة الوهابيّة في السعوديّة. فكلّ هذه الحركات تستمدّ عقائدها من العقيدة المتشدّدة التي نظّر لها ابن تيمية.
إنّ تنظيم القاعدة، الذي انحدر منه تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، هو خليط من الفكر الدينيّ السلفيّ وفكر الإسلام السياسيّ الذي أسّس له الإخوان المسلمون في مصر أواسط القرن الماضي. وقد كان عبد الله عزّام، الأب الروحيّ لتنظيم القاعدة، أحد عناصر الإخوان المسلمين في الأردن، وهاجر بعدها للقتال في أفغانستان ضدّ النفوذ السوفييتيّ. وخلاصة الأمر هي أنّ ابن تيمية يوجب الجهاد على المسلمين ضدّ من يسمّيهم الكفّار والمرتدّين والمشكوك في إسلامهم وغيرهم، فيما يشدّد فكر الإخوان المسلمين على أنّ كلّ دول العالم اليوم هي دول كافرة. وبالمزج بين هذين المفهومين، رأى المتطرّفون الإسلاميّون أنّ عليهم إعلان الحرب وإقامة الخلافة الإسلاميّة.
إنّ أهمّ الفتاوى التي يستند إليها تنظيم "الدولة الإسلاميّة" في الغزو والاحتلال أو ما يسمّيه الجهاد، هي الفتوى المعروفة بإسم فتوى "ماردين ". ولهذه الفتوى حادثة تاريخيّة شهيرة تعطينا صورة عن سبب التطرّف الذي طبع فتاوى ابن تيمية. فقد ولد ابن تيمية في بلدة ماردين الواقعة على الحدود بين سورية وتركيا عام 1263. وعندما كان في عمر السبعة أعوام، هاجم المغول البلدة وخرّبوها، أمّا ابن تيمية فقد قتل أبواه ونقل هو إلى دمشق وعاش مع جدّته. وحين صار ابن تيمية فقيهاً، أصدر فتوى شجّعت على محاربة المدينة وأهلها. وقد كانت هذه الفتوى محلّ جدال طويل بين الفقهاء المسلمين حتّى عصرنا الحاليّ، حيث رأى المتطرّفون وأتباع السلفيّة الجهاديّة أنّها تبيح لهم شنّ الحرب وفرض أحكام الشريعة الإسلاميّة حتّى داخل الدول التي يدين أهلها بالإسلام.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.