حمل الوفد اللبنانيّ مخاوفه من الحرب الأميركيّة الغربيّة على تنظيم "الدولة الإسلاميّة" إلى مؤتمر باريس الذي عقد يومي الإثنين والثلثاء في 15 أيلول و16 منه. وكشف مصدر مشارك في المؤتمر لموقعنا أنّ المفاوضات بين وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل ونظرائه الغربيّين كانت في منتهى المصارحة والمكاشفة، انطلاقاً من معادلة أنّ لبنان معنيّ في شكل أساسيّ بالحرب على الإرهاب، وأنّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة" بات خطراً وجوديّاً يهدّد دولته وكلّ جماعاته من جهة أولى، لكن الإمكانات اللبنانيّة في هذا المجال محدودة ومتواضعة من جهة ثانية.
كما أنّ القلق جديّ من جهة ثالثة، من أن تؤدّي أيّ ضربة ضدّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة" في العراق، إلى مزيد من تدفّق إرهابيّيها إلى لبنان. وكشف المصدر لموقعنا أنّ وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري، المعنيّ الأوّل بمؤتمر باريس، كما المعنيّة الأولى بلاده بمشروع الحرب على تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، كان متفهّماً بالكامل لوجهة النّظر اللبنانيّة، حتّى أنّه راح يستوضح تفاصيلها، من موقع المهتمّ بالمساعدة. وقد جرى التّوافق بين الطّرفين الأميركيّ واللبنانيّ، استناداً إلى هذه القراءة، على عدد من النّقاط: أوّلها، ليس مطلوب من لبنان، ضمن مشروع الحرب المطروحة ضدّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، أيّ مساهمة، لا مالاً ولا رجالاً ولا سلاحاً ولا تسهيلات لوجستيّة لعمل القوّات المهاجمة. وبالتّالي، فإنّ المجتمع الدوليّ يدرك أنّه لا يمكن تحميل لبنان في سياق هذه الحرب أيّ عبء. وإنّ ثاني النّقاط المتوافق عليها بين كيري وباسيل، أنّ يظلّ حضور لبنان المعنويّ، في المقابل، ضمن التّحالف الدوليّ ضدّ الإرهاب وتنظيم "الدولة الإسلاميّة" مطلوباً وضروريّاً، لا بل ثمّة إلحاحاً على مشاركته، ولو بمجرّد الصورة والشكل. وهذا ما حدا بوزير الخارجيّة الأميركيّة إلى الحرص على دعوة نظيره اللبنانيّ إلى المشاركة في جلسة مجلس الأمن المخصّصة للبحث في مشروع تلك الحرب التي عقدت نهار الاثنين في 22 أيلول وإصراره عليه على الحضور والمشاركة. ثالثاً، ضرورة استمرار الدّعم الأميركيّ والغربيّ للقوى المسلّحة اللبنانيّة الشرعيّة، أمر يزداد ضرورة وإلحاحاً مع اندلاع الحرب ضدّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، انطلاقاً من المخاوف اللبنانيّة المذكورة. ورابعاً، كما أضافت المعلومات الموثوقة نفسها لموقعنا، بدا كيري غير قادر على طمأنة اللبنانيّين حيال مخاوفهم مباشرة، إذ أنّه لم يكن يملك أيّ أجوبة واضحة أو شافية، عمّا إذا كانت حرب بلاده ضدّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة" ستقتلعها كليّاً من العراق وسوريا، أو إذا كانت ستكتفي بضربها جزئيّاً في غرب بغداد ممّا يجعلها تتّجه غرباً نحو سوريا. ولا إذا كانت العمليّة الأميركيّة الغربيّة قد تتدحرج لمحاولة إطاحة الحكم السوريّ، ممّا قد يولّد فوضى سوريّة يبدي لبنان قلقاً كبيراً من انتقالها إليه، كما إلى حدوده مع اسرائيل، ممّا قد يفجّر المنطقة برمّتها.
وإزاء عدم امتلاك كيري أجوبة واضحة حول تلك المخاوف، بدا مهتمّاً بكيفيّة تحصين الوضع اللبنانيّ الداخليّ لمواجهة أيّ ضغوط محتملة نتيجة الحرب. وقد شرح الوفد اللبنانيّ أنّ أفضل طريقة لضمان ذلك تكمن في إعادة بناء مؤسّساته الدستوريّة، وإعادة تكوين السلطات الرسميّة فيه، في شكل ديموقراطي سليم وميثاقيّ واضح، بما يؤمّن قيام سلطات جامعة، تشارك فيها الجماعات اللبنانيّة كافّة، وبقواها الأكثر تمثيلاً ديموقراطيّاً.
وشرح الوفد اللبنانيّ لكيري كيف أنّ هذا المسار الذي بدأ في شباط الماضي مع تشكيل الحكومة اللبنانيّة، كان يفترض أن يتقدّم عبر ثلاث مراحل تالية: انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة منبثق من التّوافق المسيحيّ- الإسلاميّ، ثمّ وضع قانون جديد للانتخابات النيابيّة يؤمّن صحّة التّمثيل المشكو منها منذ عشرين عاماً في القوانين الانتخابيّة المتعاقبة. بعدها، إجراء تلك الانتخابات بما يسمح بإعادة تكوين سلطة لبنانيّة كاملة قادرة على مواجهة التحدّيات المطروحة. وكان مقدّراً لهذا المسار أن ينجز الانتخاب الرئاسيّ قبل 25 أيّار الماضي، وأن ينتهي من الانتخابات النيابيّة قبل 20 تشرين الثاني المقبل.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.