لا شكّ أنّ درجة مرتفعة من الإثارة الإعلاميّة ستعود إلى قاعة "المحكمة الخاصّة بلبنان" في لاهاي، بدءاً من اليوم الإثنين في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وعلى مدى أسبوع كامل على الأقلّ، وذلك في ضوء عاملين اثنين مستجدّين: عامل أوّل حاضر، مع بدء الاستماع إلى إفادات شهود من الشخصيّات السياسيّة اللبنانيّة، وعامل ثانٍ سيكون غائباً، لكنّه أكثر طغياناً على خلفيّة المشهد، ألا وهو التلميح إلى علاقة بين هواتف المتّهمين وبين مسؤولين سوريّين كبار، تردّد أنّ أسماءهم قد تصل إلى الرئيس السوريّ بشّار الأسد، كما قال وزير الداخليّة اللبنانيّة نهاد المشنوق يوم الجمعة الماضي .
إنّ ثمّة ترابطاً بين العاملين، كما تتوقّع مصادر جهّة الدفاع عن المتّهمين الخمسة الذين تقاضيهم المحكمة الدوليّة غيابيّاً، بعدما عجزت السلطات اللبنانيّة كما الدوليّة عن العثور عليهم، وسوقهم أمام تلك الهيئة الخاصّة المنشأة بموجب القرار 1757 الصادر عن مجلس الأمن الدوليّ في 30 أيّار/مايو 2007 . وينتظر أن يمثل الشاهد السياسيّ الرفيع المستوى الأوّل أمام القضاة اليوم الاثنين وطيلة سبعة أيّام على الأقلّ، وهو الوزير اللبنانيّ السابق والنائب الحاليّ مروان حماده. فقد كان حماده أحد اصدقاء رئيس الحكومة اللبنانيّة الراحل رفيق الحريري، وكان قد تعرّض بدوره لمحاولة اغتيال بسيّارة مفخّخة انفجرت أثناء مرور سيّارته في بيروت في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر 2004، ونجا منها بأعجوبة، قبل أربعة أشهر و13 يوماً من اغتيال الحريري نفسه في 14 شباط/فبراير 2005.
وينتظر أن تتركّز شهادة حمادة حول الأجواء السياسيّة التي شهدتها تلك المرحلة، وحول المناخات المتوتّرة أو العدائيّة التي كانت قد حكمت علاقة الحريري بأطراف لبنانيّين أو سوريّين. ويتوقّع خصوصاً، أن يطلب الادّعاء من حماده إيضاح مضمون إفادته التي أوردها القاضي الألمانيّ ديتليف ميليس، المسؤول عن لجنة التحقيق الدوليّ في اغتيال الحريري، في تقريره الصادر في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2005 حول الجريمة، حيث نسب ميليس إلى حماده في الفقرة 27 من تقريره، أنّ الحريري تلقّى تهديداً مباشراً من الرئيس السوريّ بشّار الأسد في لقائهما الأخير في دمشق في 26 آب/أغسطس 2004، إذ قال حماده للمحقّق الدوليّ ما حرفيّته: "في اليوم الذي التقى فيه الحريري الرئيس الأسد، كنت أقابله في منزل جنبلاط مع السيّد باسم السبع وغازي العريضي، ورأينا أن موكب الحريري قد عاد بحلول الساعة الواحدة ظهرا، ممّا يعني أنّ اللقاء في دمشق كان قصيراً للغاية. لقد رأينا يومها الحريري متعباً ويتصبّب عرقاً، وقال لنا، نحن الأربعة، إنّ التمديد للحّود سيتمّ، وإلّا سيدفع ثمناً غالياً، وقال إنّ الأسد قال له إنّه سيكسر لبنان على رأسه وعلى رأس جنبلاط". علماً أنّ القرار الاتّهامي الذي تجرى المحاكمة على أساسه، والذي صدر في 17 كانون الثاني/يناير 2011 عاد فتغاضى عن شهادة حماده تلك، كما عن كلّ الشهادات السابقة المماثلة، والتي تحاول توريط جهّات سوريّة في الجريمة. واكتفى قرار الاتّهام المذكور، والذي أعيد تأكيده في 28 حزيران/يونيو 2011 باتّهام أربعة أشخاص لبنانيّين أضيف إليهم لاحقاً لبنانيّ خامس، من دون أيّ إشارة إلى أيّ جهّة سياسيّة لبنانيّة أو دوليّة متورّطة بموجب حيثيّات قرار الاتّهام. غير أنّ الترابط بين استدعاء مروان حماده للإدلاء بإفادته أمام المحكمة، وعودة الحديث عن محاولة توريط جهّات سوريّة، بدا واضحاً أثناء جلسة المحكمة الخاصّة التي عقدتها يوم الجمعة في 14 الجاري، إذ أبدى أحد وكلاء الدفاع عن المتّهمين اعتراضه على أداء الادّعاء، واتّهمه بمحاولة تضليل الدفاع، حتّى أنّ المحامي نفسه سأل المحكمة مباشرة: "هل سيسمّي الادّعاء بشّار الأسد ورستم غزالة؟ ومتى سيضمّ الأسماء الجديدة إلى قراره الاتّهامي"؟. وقد كشفت أوساط وكلاء الدفاع لموقعنا أنّ هذا السؤال المباشر الذي طرحه وكلاء الدفاع، جاء ردّاً على معلومات باتوا يملكونها عن نيّة لدى الادّعاء في تعديل قرار الاتّهام، وتوسيع نطاق المتّهمين، وحتّى الانتقال من الاتّهام الفرديّ إلى الاتّهام السياسيّ، وهو ما لا يسمح فيه مضمون القرار الاتّهامي الحاليّ. وأضافت أوساط الدفاع لموقعنا، أنّ لديها معلومات تقول إنّ الادّعاء يحضّر لزجّ اسم الرئيس السوريّ بشّار الأسد، وربّما مسؤولين سوريّين آخرين في القضيّة، وذلك على خلفيّة الزعم بوجود رقم هاتف خلويّ لبنانيّ مميّز (أي متشابه الأرقام الستة)، سيحاول الادّعاء القول إنّه كان قد أهدي من قبل السلطات اللبنانيّة إلى الرئيس السوريّ في ذلك الحين، وإنّ أحد أرقام الهاتف المشتبه في أنّها عائدة لأحد المتّهمين، أجرى اتّصالاً واحداً على الأقلّ بالرقم المميّز المذكور، علماً، كما تتابع أوساط الدفاع التي فضّلت عدم كشف اسمها لموقعنا، أنّ كلّ نظريّة الادّعاء والاتّهام تقوم على مبدأ "التزامن المكانيّ" (location data) بين خطوط خلويّة متعدّدة، حيث أنّ أيّاً من الخطوط المشبوهة لم يثبت قانوناً، ولا بموجب أيّ سجلّات رسميّة أو قيود عائدة لأيّ جهّة تجاريّة أو حكوميّة، أنّه عائد إلى أيّ من المتّهمين الملاحقين غيابيّاً.
ومن جهّة أخرى، أكّد الوزير اللبنانيّ السابق والخبير القانونيّ سليم جريصاتي لموقعنا أنّ جهّة الادّعاء تملك صلاحيّة تعديل القرار الاتّهامي الذي تجرى المحاكمة على أساسه، وهذا ما يعطي تلك المحكمة صفتها "الخاصّة" لجهّة طريقة إنشائها كما أصول عملها وقواعد الإجراء والتثبّت الخاصّة بها. لكنّ خطوة كهذه ستعني حكماً العودة إلى النقطة صفر، بعد نحو عشرة أعوام على وقوع الجريمة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.