سجّلت الأوضاع الأمنيّة تطوّرات لافتة في الأيّام القليلة الماضية في لبنان، بدأت بانفجارين انتحاريّين في الحيّ العلويّ من طرابلس، ثمّ انتقلت إلى عمليّة مداهمة كبيرة لزنزانات السجناء الإسلاميّين في أكبر السجون اللبنانيّة، لتنتهي بتهديدات من قبل المنظّمات الإرهابيّة للسلطات الرسميّة اللبنانيّة وحزب الله. ثلاث محطّات مترابطة، تطرح أكثر من سؤال عمّا حصل، وعمّا قد يكون مرتقباً في الأيّام اللبنانيّة المقبلة.
بدأت المحطّة الأولى في جبل محسن، الحيّ العلويّ من مدينة طرابلس، ثاني المدن اللبنانيّة من حيث عدد السكّان بعد بيروت، وذات الغالبيّة الديموغرافيّة السنيّة. فمساء 10 كانون الثاني/يناير الجاري، قام انتحاريّان بتفجير نفسيهما في شارع يضمّ عدداً من المقاهي، حيث غالبيّة الروّاد من العلويّين. وكان واضحاً من طريقة تنفيذ الانفجارين أنّ المطلوب إيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيّين، إذ دخل الانتحاريّ الأوّل إلى مقهى مزدحم بروّاده، وفجّر نفسه. انتظر الإرهابيّ الانتحاريّ الثاني حتّى تجمّع السكّان لمساعدة مصابي الانفجار الأوّل، فاندسّ بينهم وفجّر نفسه بدوره. وهو ما أدّى إلى وقوع تسعة قتلى ونحو 40 جريحاً.
أثارت الجريمة الإرهابيّة المذكورة ملاحظات كثيرة. أوّلها أنّها التفجير الانتحاريّ الأوّل في لبنان الذي يستهدف مدنيّين في شكل واضح، منذ 16 آذار/مارس 2014، يوم فجّر انتحاريّ نفسه في سيّارة مفخّخة في بلدة النبي عثمان في البقاع الشماليّ، موقعاً أربع ضحايا و16 جريحاً. بعدها، وقعت تفجيرات انتحاريّة عدّة أخرى، لكنّها استهدفت كلّها مواقع أو نقاطاً عسكريّة تابعة إمّا للجيش اللبنانيّ وإمّا لحزب الله، مثل تفجير انتحاريّ نفسه في سيّارة مفخّخة عند غرفة حاجز درك مخفر ضهر البيدر، على الطريق بين البقاع وبيروت، في 20 حزيران/يونيو الماضي، ممّا أدّى إلى مقتل عسكريّ وجرح 31 آخرين بين عسكريّين ومدنيّين كانوا يجتازون الحاجز، وتفجير انتحاريّ آخر نفسه في سيّارة على بعد أمتار من حاجز للجيش اللبنانيّ عند أحد مداخل الضاحية الجنوبيّة، في 23 حزيران/يونيو، وتفجير انتحاريّ ثالث نفسه في مواجهة رجال الأمن الذين داهموا غرفته في فندق في بيروت لتوقيفه، في 25 حزيران/يونيو أيضاً، وصولاً إلى آخر تفجير انتحاريّ ضدّ مركز لحزب الله في خراج بلدة الخريبة شرق بعلبك، في 21 أيلول/سبتمبر الماضي. هكذا، يتّضح أنّ التفجيرات الانتحاريّة ضدّ مدنيّين كانت قد غابت أكثر من تسعة أشهر، لتعود فجأة في طرابلس وضدّ مدنيّين من سكّان حيّ علويّ.
ثاني الملاحظات اللافتة أيضاً، أنّ التفجير المذكور يأتي بعد سلسلة معالجات أمنيّة وعسكريّة في طرابلس ومحيطها، أدّت إلى سيطرة نوع من الهدوء الأمنيّ والاستقرار السياسيّ في المدينة، خصوصاً بعد أيّام من المعارك القاسية التي خاضها الجيش اللبنانيّ ضدّ مجموعات من المسلّحين التكفيريّين، في أحياء المدينة كما في بعض القرى المحيطة بها، بين 24 و27 تشرين الأوّل/أكتوبر الفائت، وهي المعارك التي قيل يومها إنّها أدّت إلى استئصال الحالات الإرهابيّة من المدينة. وهو ما ترجم فعلاً هدوءاً ملحوظاً طيلة الشهر الذي أعقب تلك المواجهات. أمّا الملاحظة الثالثة فهي أنّ تفجيري الحيّ العلويّ الأخيرين، يأتيان بعد أسابيع على انطلاق حوار سياسيّ بين الفريقين الأساسيّين لدى كلّ من الشيعة والسنّة في لبنان، أيّ بين حزب الله وتيّار المستقبل. وهو الحوار الذي أرخى مناخاً من الارتياح في مجمل الأوساط السياسيّة اللبنانيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.