المبادرة الجديّة لإجلاء مسلّحي التّنظيمات الإرهابيّة من المنطقة الحدوديّة بين لبنان وسوريا وإطلاق سراح العسكريّين اللبنانيّين المختطفين لدى هؤلاء منذ 2 آب الماضي، لم يكتب لهما النّجاح، لأسباب سياسيّة وحسابات دوليّة، هذا ما كشفه لموقعنا المدير العام السّابق للأمن العام اللبنانيّ اللّواء جميل السيّد.
إنّ السيّد الّذي كان أحد أبرز رجال القرار في السلطة اللبنانيّة حتّى ما قبل عام 2005، والّذي استمرّ في تأدية أدوار حسّاسة وحيازته ثقة ملحوظة لدى كلّ من الرّئيس السوريّ بشار الأسد، كما الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، روى لموقعنا أنّ قصّة تلك المبادرة بدأت في تشرين الثاني من عام 2014، ذلك أنّ بعد مرور أسابيع على اختطاف العسكريّين اللبنانيّين، وبعد سلسلة من الاشتباكات بين إرهابيّي "داعش" ومثيلاته من جهة، ووحدات الجيش اللبنانيّ ومقاتلي "حزب الله" من جهة أخرى، حاول السيّد تقديم مبادرة للخروج من تلك المراوحة الدمويّة. وكشف الجنرال المتقاعد أنّه زار دمشق في الأسبوع الأوّل من تشرين الثاني الماضي، والتقى الرّئيس السوريّ بشار الأسد، وعرض معه الأفكار العامّة لمبادرته، والّتي تقضي بأن يقوم الجيش اللبنانيّ بسلسلة عمليّات عسكريّة من الجانب اللبنانيّ للحدود عند منطقة جرود عرسال، بما يسمح له بالتّضييق على المسلّحين الإرهابيّين المتمركزين هناك. وتزامناً، يقوم الجيش السوريّ بخطوات مماثلة من الجانب المقابل، عند جرود منطقة القلمون السوريّة، حتّى إذا تمكّن الطرفان من تضييق الخناق على الإرهابيّين، تتدخّل جهة دوليّة أو أمميّة، وتتولّى القيام بوساطة مع هؤلاء تقضي بأمرين اثنين: السماح للمسلّحين بالانتقال من الجرود الّتي يكونون قد باتوا محاصرين فيها، إلى منطقة أخرى في شمال سوريا. ثانياً، أن يكون ذلك مقابل إطلاقهم سراح كلّ العسكريّين اللبنانيّين المحتجزين لديهم. وروى الجنرال السيّد لموقعنا، أنّه عرض مبادرته على الأسد أوّلاً، من أجل أن تقترن بداية بموافقته على تأمين الممرّ الآمن لهؤلاء المسلّحين من القلمون حتّى شمال سوريا، وهو ما يفترض اجتيازهم مئات الكيلومترات، تماماً كما حصل في وساطات سابقة في حمص وغيرها. وكشف الجنرال السيّد لموقعنا أنّ الرّئيس الأسد وافق على الفكرة، وأعطى الإشارة بالبدء في تنفيذها. وعندها، اقترح السيّد على الأسد إشراك الموفد الأمميّ إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في المبادرة منذ بداياتها، ذلك أنّ الأمم المتّحدة هي الجهة الوحيدة الصالحة لتجسيدها على الأرض، وهي الطرف الذي تولّى أصلاً عمليّات وساطة مشابهة من قبل. وبموافقة أيضاً من الأسد، أكّد الجنرال السيّد أنّه التقى دي ميستورا في دمشق أثناء زيارة الأخير في 9 تشرين الثاني الماضي، فعرض عليه اقتراحه. وبدوره، تحمّس الموفد الأمميّ للفكرة وقرّر متابعتها.
وتابع الجنرال السيّد روايته بالقول إنّ دي ميستورا سافر بعدها من دمشق إلى نيويورك، حيث أحاط المسؤولين الأمميّين، كما الأميركيّين، بنتائج زيارته لسوريا ومهمّته فيها. كما قدّر السيّد أنّ دي ميستورا أبلغ هؤلاء عن المبادرة المحدّدة الّتي حمّله إيّاها في موضوع انسحاب المسلّحين من جرود القلمون وإطلاق سراح العسكريّين اللبنانيّين المخطوفين. وأشار الجنرال السيّد إلى أنّه لا يعرف من هم المسؤولون الّذين ناقش معهم دي ميستورا فكرته، لكنّه يدرك تماماً أنّ الموفد الأمميّ الّذي تربطه به معرفة وصداقة منذ أعوام طويلة، يوم كان الأخير ممثّلاً للأمين العام للأمم المتّحدة في جنوب لبنان، بين عامي 2001 و2004 نجح في الحصول على الموافقة اللاّزمة من نيويورك لمتابعة فكرة المبادرة. ولفت السيّد إلى أنّه بناء على ذلك، أبلغه دي ميستورا أنّه كلّف ديريك بلامبلي، وهو المنسّق الخاصّ للأمم المتّحدة في لبنان يومها، القيام بالاتّصالات اللاّزمة مع السلطات اللبنانيّة المعنيّة، للبدء في ترجمة تلك المبادرة. وأشار السيّد إلى أنّ دي ميستورا نقل إليه، أنّ بلامبلي اجتمع لهذه الغاية مع رئيس الحكومة اللبنانيّة تمّام سلام، لكنّ الأخير أبلغه تحفّظه على مضمون الاقتراح المطروح للبحث. وأعلن الجنرال السيّد في هذا السّياق، أنّ معلوماته تؤكّد أنّ سلام اتّخذ قراره بالتحفّظ على المبادرة من دون العودة إلى مجلس الوزراء، مصدر السلطة التنفيذيّة، كما يقتضي الدستور، غير أنّ موقف رئيس الحكومة هذا، كان كافياً ليتوقّف المسؤولون الأمميّون عن متابعة مساعيهم.
وأشار الجنرال السيّد إلى أنّه بعدما نقل إليه صديقه دي ميستورا خبر تعثّر المبادرة عند تحفّظ سلام، حاول إعادة تحريكها من قناة أخرى، فبادر إلى الاجتماع بالزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط، عارضاً عليه فكرته وآخر ما بلغته، واقترح عليه نقلها إلى السفير الأميركيّ في بيروت دايفيد هيل، لعلّ الأخير يتمكّن من إقناع إدارته بجدواها وأهميّتها، بحيث يتمّ الضغط من قبل الأميركيّين على السعوديّين، لكي تتولّى الرياض الطلب من حلفائها في بيروت، أيّ فريق الحريري وسلام، السير فيها، لكن جنبلاط أبلغ الجنرال السيّد بعد مدّة، أنّ السفير الأميركيّ هيل عاد إليه بجواب من نوع أنّ واشنطن غير مهتمّة الآن بممارسة أيّ مساع خاصّة لإقناع الرياض بموضوع من هذا النّوع.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.