منذ عشرة أشهر ونيّف، وهي مدّة الشغور في موقع رئاسة الجمهوريّة في لبنان منذ 25 مايو/أيّار عام 2014، كان ثمّة اعتقاد عام في بيروت بأنّ انتخاب الرّئيس اللبنانيّ الجديد عليه أن ينتظر الإتّفاق النوويّ بين إيران ومجموعة الخمس زائداً واحداً، وتحديداً الإتّفاق بين طهران وواشنطن. فقبل أعوام قليلة، وتحديداً قبل اندلاع الحرب في سوريا سنة 2011، كانت ثمّة معادلة في بيروت تقول إنّ أيّ تسوية لبنانيّة هي مرتبطة بتوافق سوريّ – سعوديّ، وهو ما كان يعرف بتسوية الـ"س/س"، (في إشارة إلى الحرفين الأوّلين من اسمي البلدين في اللّغة العربيّة)، لكن بعد دخول سوريا في حروبها المتمادية، بدا واضحاً أنّ قدرة دمشق على التّأثير الحاسم في مجريات الأوضاع اللبنانيّة تراجعت، لأسباب عدّة أهمّها انشغال المسؤولين السوريّين في أوضاعهم الداخليّة، وتراجع الحضور العسكريّ والسياسيّ السوريّ في بيروت. وبعدها، جاء التدخّل الإيرانيّ في الأحداث السوريّة، كداعم أبرز للنّظام هناك، إن مباشرة عبر المساعدات الإيرانيّة إلى سوريا، أو بطريقة غير مباشرة عبر دخول "حزب الله" من لبنان، كحليف للسلطات السوريّة في حربها ضدّ معارضيها. وهكذا، أدّت الحرب السوريّة، لا إلى تراجع النّفوذ السوريّ في لبنان فحسب، بل إلى تنامي الدور الإيرانيّ في سوريا وفي لبنان في آن واحد. وبدأ ينتقل الرهان في بيروت إلى معادلة جديدة يؤمل أن تحمل الحلّ اللبنانيّ، ألا وهي معادلة "أ/أ،" أو أميركا - إيران. وكان الاعتقاد العام بأنّ أيّ إتّفاق بين الجمهوريّة الإسلاميّة والغرب، سيعني فعليّاً بداية الحلول لكلّ أزمات المنطقة، وفق أولويّات تلك الأزمات، ومنها الأزمة اللبنانيّة، بدءاً بانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، علماً أنّ هذا المشهد العام ليس غريباً عن تاريخ تطوّرات الوضع في بيروت. فمنذ عقود طويلة، وعند كلّ أزمة لبنانيّة، خصوصاً على مستوى رئاسة الجمهوريّة، كان الحلّ يبدأ من إتّفاق بين واشنطن من جهة، وعاصمة عربيّة أو أكثر من جهة أخرى، حول كيفيّة الحلّ واسم الرّئيس. وهكذا، بعد أحداث عام 1958 في لبنان بين المسيحيّين والمسلمين، اتّفقت واشنطن مع القاهرة في زمن جمال عبد النّاصر، فانتخب قائد الجيش اللبنانيّ يومها فؤاد شهاب رئيساً للجمهوريّة. وفي عام 1976، وإثر اندلاع الحرب اللبنانيّة، كرّرت واشنطن المعادلة نفسها، لكن هذه المرّة مع دمشق في أيّام الرّئيس السوريّ الرّاحل حافظ الأسد، فاتفقتا على اسم حاكم المصرف المركزيّ اللبنانيّ يومها الياس سركيس رئيساً للجمهوريّة. وحتّى في عام 2008، بعد شغور رئاسيّ استمرّ منذ 24 تشرين الثاني عام 2007، اتّفق الأميركيّون مع مجموعة من الدول العربيّة والإقليميّة الفاعلة في لبنان، من بينها السعوديّة ومصر وسوريا وقطر وحتّى تركيا، فاختير قائد الجيش حينها ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة، بعد اشتباكات دامية وقعت بين السنّة والشيعة في بيروت في 7 أيّار من عام 2008، أدّت إلى انعقاد مؤتمر الدوحة، الّذي أنضج التّسوية الرئاسيّة الجديدة.
وهكذا، كان الانطباع العام في لبنان، أنّ إعلان الإتّفاق الجديد بين واشنطن وإيران، سيعني فعليّاً بداية العدّ العكسيّ لتسوية في بيروت ولانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، وهو ما حصل فعلاً في 2 نيسان الجاري، في لوزان، غير أنّ شيئاً لا يبدو أنّه بدأ يتغيّر أو يتحرّك في بيروت. وفي تحليل أوليّ للأسباب الكامنة خلف هذا الجمود اللبنانيّ المستمرّ، تبرز ثلاثة عوامل:
أوّلاً: انتظار الآليّة الفعليّة لإقرار الإتّفاق الأميركيّ - الإيرانيّ، خصوصاً في واشنطن، وذلك بعد ظهور أصوات أميركيّة معارضة وبعد كلام عن صعوبات قد تعترض سير الإتّفاق نحو أن يصير نافذاً أميركيّاً، إذ أنّ في معزل عن الآليّات الأميركيّة القانونيّة أو الدستوريّة لذلك، وفي معزل عن موازين القوى داخل الإدارة الأميركيّة، كان الكلام حول تلك الإشكاليّة كافياً لتكوين انطباع لبنانيّ عام بأنّ إعلان 2 أبريل/نيسان في لوزان، ليس إبراماً فعليّاً للإتّفاق، وبالتّالي فهو ليس الموعد الفعليّ لإطلاق مفاعيله في المنطقة، ولبنان من ضمنها.
ثانياً: الموقف الإسرائيليّ المعارض لهذا الإتّفاق، والّذي عبّر عنه بوضوح نتنياهو، هو موقف يرسم في بيروت ظلالاً مزدوجة حول مدى حصول الإتّفاق بين واشنطن وطهران، كما حول انعكاساته في بيروت. فمن جهة أولى ثمّة انطباع لبنانيّ بأنّ تلّ أبيب قادرة على عرقلة إقرار الإتّفاق أميركيّاً، عبر اللوبيّ الصهيونيّ في واشنطن. ومن جهة أخرى، هناك انطباع آخر بأنّه يمكن لنتنياهو أن يعرقل أيّ ترجمة لهذا الإتّفاق على الساحة اللبنانيّة، ولو بالوسائل العنفيّة، أو بشنّ عمليّة عسكريّة، إذا كانت هذه الترجمة ستعني مزيداً من نفوذ لـ"حزب الله" في لبنان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.