بعد أكثر من 13 شهراً على خلوّ سدّة رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة منذ 25 أيار 2014، يبدو الوسط السياسيّ المسيحيّ في لبنان منهمكاً جديّاً بوسيلة جديدة مبتكرة لمواجهة هذه الأزمة، إنّه مشروع سياسيّ - كنسيّ، لإجراء استطلاع شعبيّ واسع ضمن البيئة المسيحيّّة في لبنان، حول من هو المرشّح المارونيّ للرئاسة، الّذي يحوز على أكبر نسبة من المؤيّدين من بين المسيحيّين، مشروع تطرح حوله علامات استفهام كثيرة: من أين أتى؟ وإلى أين يمكن أن يصل وسط المأزق اللبنانيّ القائم؟
بدأ الحديث عن هذه الفكرة في مؤتمر صحافيّ عقده رئيس أكبر كتلة نيابيّة ووزاريّة مسيحيّة الجنرال ميشال عون، في 15 مايو/أيّار الماضي، حيث طرح يومها مقترحات عدّة للخروج من أزمة الفراغ الرئاسيّ، ومنها إجراء استطلاع للرأي العام يحدّد هويّة الحائز على أكبر تأييد شعبيّ مسيحيّ. وبعد نحو أسبوعين، وتحديداً في 2 يونيو/حزيران الماضي، زار رئيس حزب "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع، عون في منزله. وجاءت الخطوة اللاّفتة لإعلان مذكّرة نوايا بين الرّجلين، تتويجاً لمسار من التّفاوض غير المباشر بينهما، بعد خصام وعداوة استمرا طيلة ربع قرن. علماً أنّ جعجع يتزعّم الكتلة البرلمانيّة الثانية بين المسيحيّين. وهكذا، أثناء زيارة جعجع لعون، سئل عن موقفه من مقترحات عون لحلّ أزمة الفراغ الرئاسيّ، فأجاب أنّه لا يمانع في إجراء استطلاع للرأي العام المسيحيّ حول هذه المسألة بالذات. وهكذا، بدا أنّ أكبر قوّتين مسيحيّتين تلتقيان حول فكرة الاستطلاع، وهذا ما أوحى بأنّ المشروع مطروح جديّاً.
وإنّ أحد أبرز العاملين على هذا الخطّ هو النائب في البرلمان اللبنانيّ ابراهيم كنعان وأمين سر الكتلة النيابيّة الّتي يترأسها عون، وكان طيلة أشهر ممثّله في التّفاوض مع جعجع، الّذي أدّى إلى صياغة المذكّرة الّتي أعلنها الطرفان. وتحدّث كنعان إلى موقعنا عن فكرة الاستطلاع هذه كوسيلة للخروج من مأزق الفراغ الرئاسيّ. وأشار إلى أنّ الفكرة كانت دائماً مطروحة في شكل عام أو غامض، ولكن الجنرال عون جعلها بنداً ضمن مقترحاته الرسميّة للحلّ، من المنطلقات التالية: أوّلاً، يكون الرئيس اللبناني مسيحياً بموجب العرف الرئيس ماروني. لكن ينتخبه النواب. فيما النواب أنفسهم منتخبون وفق انون انتخابي لا يؤمن حسن التمثيل المسيحي. وبالتالي تكون النتيجة أن الرئيس الماروني لا ينتخبه المسيحيون ولا يمثلهم فعلياً.
ويضاف إلى ذلك، أنّ البرلمان اللبنانيّ الحاليّ مصاب بنقصين كبيرين، لجهة أهليّته لانتخاب رئيس كهذا. والعيب الأوّل أنّه منتخب سنة 2009 وفق قانون إنتخابيّ، تجمع كلّ الأطراف المسيحيّة على أنّ تقسيم دوائره الإنتخابيّة جغرافيّاً، لا يؤمّن التّمثيل العادل والصحيح للمسيحيّين، لا بل يغلّب أصوات المسلمين في اختيار النوّاب المسيحيّين. أمّا العيب الثاني والأكبر، كما تابع كنعان، فهو كون هذا البرلمان نفسه قد انتهت ولايته القانونيّة في يونيو/حزيران من عام 2013. وبالتّالي، لم يكن مقدّراً له أن ينتخب رئيس الجمهوريّة المقبل، بعد نهاية ولاية الرّئيس الأخير ميشال سليمان في 25 مايو/أيّار من عام 2014، لكنّ أكثريّة من أعضاء هذا البرلمان حالت دون إجراء انتخابات نيابيّة عامّة جديدة عبر رفضها إقرار قانون انتخابات جديد يراعي حسن التمثيل المسيحي، وعمدت مرّتين متتاليتين إلى تمديد ولاية البرلمان الحاليّ حتّى حزيران من العام 2017، ممّا جعل هؤلاء النوّاب المنتخبين بحسب قانون مشكو من عدالته لجهة حسن التمثيل المسيحي، والممدّدين لأنفسهم بغير وجه حقّ قانونيّ أو دستوريّ، يفرضون أنفسهم منذ أكثر من 13 شهراً، ناخبين مفترضين لرئيس الجمهوريّة، وهو ما رفضه تكتّل عون، كما قال كنعان، وحاول إيجاد حلول دستوريّة وقانونيّة له.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.