قبل أيّام قليلة، وتحديداً في الأوّل من تمّوز/يوليو الجاري، وقع اشتباك بين مجموعتين من الشبّان، بعضهم من الطائفة السنيّة وآخرون من الطائفة الشيعيّة، في منطقة السعديّات على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب بيروت حول إقامة الشاعائر الدينية الرمضانية من قبل الشيعة في مصلى شيعي، اعتبره السنة التابعون لتيار المستقبل استفزازاً لهم. حادثة قد تكون خبراً عاديّاً ضمن متفرّقات نشرات الأخبار اللبنانيّة، غير أنّ الاطّلاع على تفاصيلها وخلفيّاتها في المكان والزمان، يظهر أنّ دلالاتها قد تكون أكبر وتداعياتها أخطر.
عامل الخطورة الأوّل في تلك الحادثة التي أدّت إلى سقوط سبعة جرحى من الطرفين، أنّ طرفيها لم يكونا مجرّد شبّان من الطائفتين المسلمتين المتصارعتين في لبنان والمنطقة، أيّ السنّة والشيعة، بل هم فعليّاً، كما ظهر في وسائل الإعلام لاحقاً كما في المواقف السياسيّة، عناصر حزبيّة مسلّحة، بعضها تابع إلى تيّار المستقبل، الذي يمثّل الأكثريّة السنيّة في بيروت والموالي للسعوديّة، وبعضها الآخر تابع إلى حزب الله، تنظيم الأكثريّة الشيعيّة اللبنانيّة، والقريب من إيران. وبالتالي، فإنّ عامل الخطورة الأوّل أنّ الإشكال الأمنيّ المذكور وقع فعليّاً بين التنظيمين الممثّلين للطائفتين المنغمستين في النزاع الدائر في المشرق كلّه.
ويكمن عامل الخطورة الثاني في الموقع الذي شهد الحادثة،فمحلّة السعديّات تشكّل منطقة ساحليّة وسطيّة بين العاصمة اللبنانيّة بيروت وبين مدخل الجنوب اللبنانيّ وعاصمته صيدا. وبالتالي فهذه المحلّة بالذات ليست مكاناً سكنيّاً وحسب، بل هي أصلاً وفعلاً ممرّ إلزاميّ للفريقين المتحاربين. فتيّار المستقبل السنّي ملزم بعبور هذه الطريق كي يؤمّن تواصل قواعده الحزبيّة وجماعته الطائفيّة بين سنّة بيروت وسنّة صيدا وجوارها، فيما حزب الله مدرك تماماً أنّ هذه المحلّة نفسها هي ممرّ حيويّ وإجباريّ لضمان تواصله الديموغرافيّ بين ضاحية بيروت الجنوبيّة ذات الثقل الشيعيّ الساحق، وبين قرى الجنوب الواقعة على الحدود مع إسرائيل، حيث يمثّل الثقل الشيعيّ هناك أيضاً، خزّان مقاومة حزب الله في مواجهة الكيان الصهيونيّ. وبالتالي فالطرفان المتصارعان يعيان تماماً أهميّة السيطرة على محلّة السعديّات، أو أيّ محلّة أخرى واقعة على الطريق الساحليّة بين بيروت والجنوب. فمن يمسك بمفصل واحد من هذا الشريان الحيويّ يصبح قادراً على عزل الآخر ومحاصرته والاستفراد بمواقعه، أكان في العاصمة أم في الجنوب. لذلك يدرك الفريقان استحالة تسليم أيّ منهما بخسارة أيّ موقع مماثل.
يبقى عامل الخطورة الثالث حيال الحادث نفسه، وهو عامل مرتبط بتوقيت الاشتباك المسلّح الذي وقع ضمن المشهد السياسيّ اللبنانيّ. فالإشكال حصل في لحظة حرجة بالنسبة إلى طرفيه معاً. فحزب الله منهمك في سلسلة من المواجهات العسكريّة القاسية على امتداد عشرات الكيلومترات من الحدود اللبنانيّة-السوريّة من القصير عند أقصى الحدود الشمالية الشرقية للبنان، وصولاً إلى مثلث الحدود اللبنانية السورية الاسرائيلية في جبل الشيخ، مروراً بجبال القلمون والزبداني في الوسط، حيث تقوم عناصره بالاشتباك في شكل يوميّ مع مسلّحي التنظيمات التكفيريّة والإرهابيّة، من "داعش" وتنظيم القاعدة – جبهة النصرة. وبالتالي، يأتي حادث السعديّات ليضفي على هذا التوقيت بعدين خطرين جدّاً بالنسبة إليه: أوّلاً أن يشكّل محاولة لإلهاء حزب الله عن معركته مع الإرهابيّين، لناحية تخصيص عناصر معيّنة أو عتاد محدّد ونقله من مكان إلى آخر لسدّ هذه الثغرة الداخليّة، لحظة خوضه مواجهاته الخارجيّة. ثانياً أن يصير مهدّداً بقطع طرق إمداداته اللوجستيّة بين الجنوب وبيروت وبين الاثنين والمناطق الشرقيّة حيث يخوض معاركه، علماً أنّ أيّ حصار من هذا النوع قد يضعف قدرته على مواجهة المخاطر الثلاثة التي يواجهها معاً: خطر توغّل إسرائيليّ من الجنوب، وخطر تقدّم إرهابيّ من الشرق، وخطر تفجير اضطرابات أمنيّة في الداخل اللبنانيّ.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.