قامت الحكومة التركيّة بخطوة جديدة في الحرب السوريّة، مستمرّة في مشاركتها في النزاع. لقد أصبحت مدينة جرابلس السوريّة الصغيرة، الواقعة على بعد 100 كيلومتر شمال شرق حلب و40 كيلومتراً غرب كوباني، رمز القتال ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة ("داعش"). ففي 24 آب/أغسطس، دخلتها مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ ومدربّة على يد الجيش التركيّ وأحكمت سيطرتها عليها. وكانت تلك المرّة الأولى التي يسلّم فيها مقاتلو "داعش" مدينة من دون معركة.
كانت جرابلس، قبل احتلال "داعش" لها، تضمّ مئة ألف نسمة. غادرت قوّات النظام السوريّ المدينة، وسيطرت عليها مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ في 15 تموز/يوليو 2012. وبعد ذلك، أحكمت جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة سيطرتها عليها بدعم من الحكومة التركيّة. فأُجبر 10 آلاف كرديّ على الرحيل، وتمّت مصادرة منازلهم. وسلّمت جبهة النصرة المدينة إلى "داعش" في 14 كانون الأول/ديسمبر 2014. ونشر "داعش" الرعب في نفوس كلّ من رفض أن يطيعه، وذبح أفراداً كثيرين من عشيرة سيداورا العربيّة التي تتمتّع بنفوذ في المنطقة. ولم تسجّل الحكومة التركيّة أيّ اعتراض على "داعش" آنذاك. وفجّر "داعش" الجسر الوحيد الذي يصل كوباني بجرابلس فوق نهر الفرات في 5 آذار/مارس 2015، ما صعّب على القوّات الكرديّة النفاذ إلى المنطقة. وعطّلت هجمات المدفعيّة التي نفّذها الجيش التركيّ محاولات القوّات الكرديّة للدخول، وبالتالي منعت الدولة التركيّة وحدات حماية الشعب من تحرير جرابلس من قبضة "داعش".
لماذا تحرّكت تركيا إذاً وضدّ من؟ مع أنّ اسم العمليّة الرمزيّ هو "جرابلس"، إلا أنّ الهدف منها أكبر من ذلك. أوّلاً، تريد تركيا والمجموعات التابعة لها إنشاء منطقة آمنة ضمن مثلّث جرابلس-أعزاز-مارع. وتخضع أعزاز ومارع حاليّاً لسيطرة مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ نجحت مؤخّراً في السيطرة على جرابلس. ويقضي الهدف بتحويل هذه المنطقة الآمنة إلى قاعدة عسكريّة وسياسيّة ضدّ حلب وشمال سوريا، الذي يسمّيه الأكراد روج آفا. ويسدّد النظام في دمشق منذ فترة ضربات قاسية للمجموعات التابعة للجيش السوريّ الحرّ في حلب. وسيطرت قوّات سوريا الديمقراطيّة على منبج بقيادة القوّات الكرديّة، وهي تتقدّم باتّجاه مدينة الباب في شمال سوريا. وقد قلّصت كلّ هذه التطوّرات نفوذ تركيا في المنطقة. وقامت قوّات سوريا الديمقراطيّة بالخطوات الأولى من أجل فتح ممرّ كرديّ، وهو تطوّر يرعب تركيا. فقد دعمت الحكومة التركيّة "داعش" للحؤول دون هكذا تطوّر، ومنعت الأكراد من تحرير جرابلس. وكان أردوغان السياسيّ الأوّل الذي اعترض على تحرير الأكراد لتل أبيض.
اعتمدت تركيا موقفاً مزدوجاً يقضي بمحاربة "داعش" وفي الوقت نفسه قصف المجموعات التي تسدّد لـ "داعش" أقسى الضربات. فبينما أرسلت مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ إلى جرابلس، قصفت تركيا، التي تدّعي أنّها تحارب "داعش" في المدينة، مواقع تابعة لقوّات سوريا الديمقراطيّة والقوّات الكرديّة في منبج وحولها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.