خلال الحقبة الرومانية، أدّى جبل الهيكل دوراً محورياً في استراتيجية "فرّق تسد" التي اعتمدتها الأمبراطورية. في القرن الأول قبل الميلاد، أعاد الحاكم الروماني غابينيوس تنصيب يوحنا هركانوس الكاهن الأعلى على الهيكل اليهودي، لكنه سلّم مجموعة من النبلاء الأنداد الجزء الأكبر من السلطة والصلاحيات لحكم الإقليم. في الزمن الحديث، سوف يذكر التاريخ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان سياسياً بنى مسيرة سياسية حافلة على ركائز العداوة، وعلى الجدران التي رفعها بين أبناء الشعب الإسرائيلي – بين اليمين واليسار، اليهود والعرب، المتديّنين والعلمانيين، الإسرائيليين العاديين ونشطاء حقوق الإنسان ووسائل الإعلام. وسوف تنسب إليه كتب التاريخ أيضاً الفضل في تحقيق إنجاز فريد من نوعه، توحيد العالمَين العربي والمسلم ضد إسرائيل والشعب اليهودي.
حاول الفلسطينيون، على امتداد سنوات، توحيد العالمَين العربي والمسلم حول نضالهم من أجل الحق في تقرير المصير، ولم يحقّقوا سوى نجاح محدود جداً. حتى فيما ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة والمتوسِّعة في الضفة الغربية المحتلة، لا يزال العلمان الأردني والمصري يرفرفان فوق سفارتَي البلدَين في إسرائيل. دول الخليج غارقة في حرب في اليمن ونزاع مع قطر، في حين ينشغل السنّة والشيعة بسفك الدماء المتبادَل. فضلاً عن ذلك، عندما يأخذ حلفاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس استراحة من خصومتهم مع "حماس" في قطاع غزة، يسعون إلى الاحتماء من المؤامرات التي يحوكها محمود دحلان، القيادي السابق في حركة "فتح"، وأتباعه من أجل إطاحة عباس. ناهيك عن الحروب الشاملة التي تشهدها سوريا والعراق.
طوال سنوات، صوّب الفلسطينيون أيضاً أنظارهم نحو واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى لإقناعها بأحقّية قضيتهم. وعندما لم تتبقَّ لهم خيارات كثيرة، علّقوا حتى في البداية آمالاً عالية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بالكاد يستطيع تدبّر الأمور في الداخل الأميركي. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الداخل حديثاً إلى قصر الإليزيه، فيركّز الجزء الأكبر من طاقاته على معالجة الشؤون الداخلية لبلاده. تخوض المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حملة انتخابية. وتواجه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي صعوبات مع الاتحاد الأوروبي. كما أن حملة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" لا تحقّق أداء جيداً. ففي مقابل كل مغنٍّ يقاطع إسرائيل، يتوافد عشرات الآخرين – مغنّون وفرق راقصة ومسرحية – إلى هناك. فضلاً عن ذلك، عدد الفنانين الإسرائيليين الذين يرفضون تقديم عروض في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية – وهم مجموعةٌ تُعتبَر حصناً لليسار – هو نقطة في بحر بالمقارنة مع عدد العروض التي تُقدَّم في المراكز الثقافية في مستوطنتَي أرئيل وكريات أربع.
صحيح أن عباس والمحيطين به ليسوا قدّيسين، لكنهم كوفئوا على صبرهم. الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو هي التي قامت بالمهمة عنهم، فحوّلت نضالهم الوطني المتلاشي إلى ضغينة دينية متأجِّجة. لقد أدّت الحكومة الإسرائيلية، بإذعانٍ، الدور الذي دفعها نحوه العرب الإسرائيليون الثلاثة الذين أقدموا على قتل شرطيَّين إسرائيليين في جبل الهيكل في 14 تموز/يوليو الماضي. كان الثلاثة يدركون جيداً ما يفعلون عندما اختاروا هذا المكان المقدّس بالنسبة إلى اليهود والمسلمين على السواء لارتكاب فعلتهم.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.