لم يخفِ اليسار الإسرائيلي بهجته لرؤية المدرّجات فارغة خلال الاحتفال اليوبيلي بتحرير يهودا والسامرة وغور الأردن ومرتفعات الجولان في 27 أيلول/سبتمبر الماضي، والذي نظّمه المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة. يرى اليسار في صور المقاعد الفارغة دليلاً على فشل المستوطنين في الفوز بقلوب الرأي العام الإسرائيلي وعقوله. ويقول اليساريون إن المليارات التي أنفقتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في المستوطنات على امتداد خمسين عاماً لم تستقطب سوى أقل من خمسة في المئة من الإسرائيليين للعيش هناك – نحو أربعمئة ألف شخص بحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية – لا بل أكثر من ذلك، امتنعت الغالبية الساحقة عن حضور "مهرجان التحرير" المبذِّر للأموال.
بيد أن الشعور باللذة الذي يستمدّه اليسار من الإخفاق الظاهري للمستوطنين وأسيادهم مثيرٌ للشفقة نوعاً ما. صحيح أن مفهوم اليمين عن العودة إلى أرض الأجداد لم يولّد تحولاً ديمغرافياً واسع النطاق عبر انتقال الإسرائيليين إلى المستوطنات. غير أن المفهوم تجذّرَ في عقول شرائح واسعة من الرأي العام الإسرائيلي وعشرات آلاف الزوّار من مختلف أنحاء العالم. وهذا يحدث بصورة يومية في مدينة القدس القديمة وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية.
هذا الاحتلال حيٌّ وبأحسن أحواله، مثلاً، في موقع قناة البيار الذي يقع على مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من موقع الاحتفال اليوبيلي الفاشل في كتلة عتصيون الاستيطانية والذي نظّمته وزيرة الثقافة ميري ريغيف. في كل عام، يزور نحو مئة ألف امرأة وطفل ورجل قناة البيار التي أنشئت قبل نحو ألفَي عام لنقل المياه إلى القدس والهيكل اليهودي. تجسّد القناة أهمية المنطقة بكاملها كمصدر للحياة في القدس اليهودية في عصرها الذهبي. نقرأ على الموقع الإلكتروني لمدرسة كفار عتصيون الميدانية التي تشغّل القناة: "يحدّد الباحثون تاريخ إنشاء قناة البيار في أوقات مختلفة ضمن فترة زمنية تمتد على مئتَي عام، وتبدأ مع الملك ألكسندر ياناي [من الحقبة الحشمونائية في القرن الأول ق.م.] مروراً بالملك هيرودس وحتى الحقبة الرومانية". على الرغم من هذا الالتباس، تُقدَّم القناة إلى الزوّار بأنها من مخلّفات الحقبة الرومانية الأولى، المعروفة أيضاً بـ"أيام الهيكل الثاني". وفقاً لتقرير رسمي رفعته المدرسة الميدانية إلى أمين سجل المنظمات غير الحكومية، حقّقت الجولات السياحية عند القناة إيرادات تفوق 16 مليون شيكل إسرائيلي (4.5 ملايين دولار أميركي) في العام 2014.
قال عالِم الآثار يوناثان ميزراتشي لموقع "المونيتور": "قناة البيار مثالٌ عن ’مستوطنة سياحية‘ – أي إقامة موقع سياحي على آثار قديمة وتسويق المكان على أنه موقع تراثي إسرائيلي". يتولى ميزراتشي رئاسة مركز "عمق شبيه" الذي يسعى إلى منع استخدام الآثار القديمة أداةً في النزاع الوطني أو بمثابة قيمة تبرّر إلحاق الأذى بالمجموعات الضعيفة. من المواقع الأثرية التي يستخدمها مشغّلوها أداةً في النزاع موقع مدينة داود تحت جدران مدينة القدس القديمة، على أرض قرية سلوان الفلسطينية. تقريباً جميع طلاب المرحلة الثانوية في المدارس الإسرائيلية وجميع الجنود الإسرائيليين يُجلَبون إلى هنا لزيارة الموقع، فيصبحون من المدافعين عن الوجود الإسرائيلي فيه. ويُصوَّر ماضي سلوان الإسلامي وارتباط سكانها بالمكان بأنه عشوائي ولا أهمية له، أو يجري طمسه بالكامل.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.