على الرغم من أن الضربة العسكريّة الأطلسيّة ضدّ سوريا ما زالت في دائرة الغموض إن لجهة مبدأ حصولها أو توقيتها أو نطاقها، إلا أنه يبدو واضحاً أن كل لبنان بات يعيش على إيقاعها. كلّ شيء في بيروت مجمّد، في انتظار الضربة.. حركة السير وعجلة الاقتصاد والوضع الأمني وخصوصاً الاتجاهات السياسيّة في بلد يعاني من كلّ الأزمات على كلّ تلك الأصعدة في وقت واحد. غير أن اللبنانيين يترقّبون بشكل عام الارتدادات الممكنة للضربة المحتملة بصورة رئيسيّة على المستويات الآتية:
أولاً، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فهذان الوضعان مترابطان جداً وتاريخياً بين لبنان وسوريا. ثمّة اقتصاد طاغ مشترك وشبه موحّد ما بين لبنان وسوريا، في النقل والمواصلات والتجارة والسياحة والزراعة وقطاع البناء والصناعة وغيرها... وذلك منذ كانا بلداً واحداً في ظلّ الانتداب الفرنسي، ومنذ حافظا على "مصالح جمركيّة مشتركة" بعد استقلالهما وزوال ذلك الانتداب، وحتى بعد فصل ما كان يشبه وحدتهما الاقتصاديّة الموروثة في منتتصف خمسينيات القرن الماضي. في كلّ الحقبات والعهود، في فترات التوتّر كما في فترات الانفتاح، في ظلّ سيطرة سوريا على لبنان كما في ظل صراع البلدَين، كان هذا الترابط الاقتصادي والاجتماعي عنصراً ثابتاً في معادلة العلاقة بين البلدَين. هكذا، وفي ظل الحديث عن ضربة عسكريّة على سوريا، يحبس اللبنانيّون أنفاسهم: ماذا سيحصل عندنا؟ هل يتدهور وضع لبنان الاقتصادي من الركود الحالي إلى الجمود الكامل أو حتى إلى الكارثة؟ هل يتفاقم التراجع في أرقام النمو من نحو 1.5 في المئة إلى ما دون هذا الرقم؟ هل يكون أول صاروخ أطلسي على سوريا مثلاً، هو نفسه آخر رصاصة في رأس القطاع السياحي والخدماتي لبلد لا تبعد عاصمته أكثر من 90 كيلومتراً عن بعض المواقع المحتملة ضمن "بنك أهداف" الضربة؟ ثم ماذا عن تداعيات ذلك على اقتصاد يقوم بشكل أساسي على القطاع الثالث، اقتصاد ريعي لا تمثّل القطاعات الإنتاجيّة فيه إلا الجزء الضئيل من حركته؟ علماً أن توقيت هذا الترقب قد يكون الأسوأ. ويكفي دليلاً على ذلك أن الهيئات الاقتصاديّة في لبنان قد دعت إلى إضراب تحذيري في الرابع من أيلول/سبتمبر المقبل، احتجاجاً على الفراغ الحكومي المستمرّ منذ 22 آذار/مارس الماضي والذي ترك آثاراً اقتصاديّة سيّئة، قبل أن تحصل أي ضربة ومن دون حصولها.
وعلى هذا الصعيد نفسه، ثمّة ترقّب آخر: أي انعكاس لضربة عسكريّة لسوريا، على صعيد حركة النزوح إلى لبنان؟ فإذا كانت أرقام النازحين السوريّين المسجّلين قد بلغت حتى كتابة هذه السطور نحو "700 ألف شخص على أقلّ تقدير" بحسب المفوضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، فأي سقف ستبلغه أو تتخطّاه إذا بدأت الصواريخ الأطلسيّة تنهمر على المناطق السوريّة؟ خصوصاً في ظلّ إقفال نسبي للحدود العراقيّة، وبوجود جبهتَين مشتعلتَين نسبياً من الأردن وتركيا، ما يبقي الحدود اللبنانيّة وحدها مفتوحة أمام الهاربين من جحيم الصواريخ. وإذا حصل ذلك، أي قدرة للسلطات اللبنانيّة على تلبية متطلبات هذا الوضع الإنسانيّة والاجتماعيّة والمعيشيّة؟ وحدها الكهرباء التي يعيش لبنان في عجز عن تأمينها لمواطنيه منذ انتهاء حربه الأهليّة في العام 1990، ستكون كافية لحصول كارثة مع تدفّق مئات آلاف المستهلكين الجدد للتيار فجأة، بحسب ما توضح أوساط حكوميّة لموقعنا.
ثانياً، على المستوى السياسي. وفي هذا المجال تبدو احتمالات التأثّر لبنانياً مرتبطة باحتمالات نتائج الضربة العسكريّة على سوريا. وهو ما يطرح ثلاث فرضيّات: فرضيّة أولى أن تؤدّي الضربة إلى إضعاف النظام السوري وتقدّم معارضيه المسلحين على الأرض. وفي هذه الحال، أن يشعر حلفاء المعارضة السوريّة في لبنان بشيء من الانتصار ورجحان كفّتهم، بما يدفعهم مثلاً إلى تشكيل حكومة من لون واحد من دون أي ائتلاف مع القوى اللبنانيّة الأخرى، وخصوصاً من دون حزب الله. وهو احتمال أوّل يطرح مخاطر كبيرة، متوقّفة على ردّ فعل التنظيم الشيعي على محاولة إقصائه من الدولة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.