أما وقد بتنا على قاب قوسَين من نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان وما من شيء في الأفق يوحي بإمكانيّة انتخاب رئيس جديد بهدوء وانتظام وفق الأصول الدستوريّة وفي التاريخ المحدّد أي في أيار/مايو 2014، ولا ينبىء حتى بتشكيل حكومة تنتشل البلد الصغير من حالة الدولة المعلّقة، فإن الأنظار كلها متجهة إلى رئيس الجمهوريّة الحالي لاستشراف ما قد يقوم به في حين أن البلد الصغير يقترب شيئاً فشيئاً من الفراغ، كطفل يسير بخطى طائشة نحو الهاوية أمام أعين أمه وأبيه ولا أحد منهما ينهض لنجدته لأنهما على خصام.
خيارات سليمان ليست كثيرة، أما المسؤوليّة الملقاة على عاتقه فكبيرة. صحيح أن رئيس ما بعد الطائف ليس مطلق الصلاحيات، إذ ليس في يده أن يحلّ مجلس النواب مثلاً ولا أن يدعو إلى انتخابات مبكرةفي حين أن مرسوم تشكيل الحكومة يتطلب بالإضافة إلى توقيعه توقيع الرئيس المكلّف. لكن صحيح أيضاً أنه في ظلّ الشلل الحاصل على مستوى المؤسسات كافة، وأبلغ دليل على ذلك عدم القدرة على تشكيل حكومة وشبه جمود مجلس النواب الذي اقتصرت إنجازاته في الفترة الأخيرة على التجديد لنفسه وتعطيل الجسم القضائي لا سيّما المجلس الدستوري بسبب انصياعه لمشيئة القوى السياسيّة، أضحت الرئاسة المؤسسة الأخيرة النابضة في جسم الجمهوريّة الجامد.
إلى ذلك، قد يكون المتغيّر الأهم أن الرئيس في الفترة الأخيرة من عهده أقل تقيّداً بضرورات التوافق والتوفيق بين كافة الأفرقاء السياسيّين وأكثر التصاقاً بمقوّمات السيادة الوطنيّة. هذا ما يفسّر جزئياً ارتفاع نبرة الرئيس في الفترة الأخيرة، بخاصة مواقفه المنتقدة لسياسات حزب الله وانخراطه العسكري في الحرب الدائرة في سوريا. قد يبدو هذا التصعيد للوهلة الأولى انحيازاً لفريق على حساب فريق آخر. أما بعد التمعّن في الأمور، فيتّضح أن الرئيس يسعى إلى إعادة شيء من التوازن إلى المشهد السياسي اللبناني بخاصة بعد انهيار فريق 14 آذار أمام فائض قوة حزب الله العسكريّة التي أخلّت بكل الموازين. فالموازنة بين القوى السياسيّة وبين الطوائف تشكل القاعدة الذهبيّة لانتظام الحياة السياسيّة لبلد قائم أساساً على التعدّد والتوافق في ما بين مكوناته. على هذه الخلفيّة، يجب فهم إعادة التموضع الرئاسي والذي يرتكز في ما يرتكز على شبكة أمان دوليّة ظهرت في خلال اجتماع نيويورك في الخريف الماضي وقد التقت على المبادىء السياسيّة التي أرساها سليمان لا سيّما ما جاء في إعلان بعبدا حول ضرورة حياد لبنان وتحييده عن الصراعات القائمة في الشرق الأوسط وسياسات المحاور.
وكانت هذه المجموعة الدوليّة الداعمة للبنان قد استعادت شيئاً من حراكها الدبلوماسي مؤخراً لجهة تنظيم مؤتمرات داعمة للبنان ولمؤسساته في عواصم أوروبيّة في مطلع السنة المقبلة وقبل موعد الاستحقاق الرئاسي، منها ما هو داعم للجيش اللبناني ومنها ما يسعى إلى انتشاله من الفراغ ودعم مؤسساته الشرعيّة. فأصدقاء لبنان يلمّسون من جهة خطورة امتداد النيران السوريّة إلى الداخل اللبناني وهول مأساة اللاجئين السوريّين المتدفقين إليه وتداعيات الأزمة السوريّة على استقرار المنطقة برمتها، ومن جهة أخرى يدركون تداخل الأزمة اللبنانيّة بالصراع الدائر مع إيران وإن اتخذ مؤخراً مساراً تفاوضياً. لهذه الأسباب ربما، يتعرّض سليمان لحملة سياسيّة يخوضها فريق 8 آذار وكأن المقصود هو هجوم استباقي على قرارات قد يتخذها الرئيس مستنداً إلى دعم عربي ودولي وإلى التفاف شعبي داخلي حول مواقفه السياديّة الأخيرة. فهل يقوم الرئيس بتشكيل حكومة يفرضها على الفريقَين المتنازعَين كأمر واقع، اتفاقاً مع قناعته وإتماماً لواجبه القاضي بالحفاظ على الدستور وممارسةً لمسؤوليته لجهة تدارك الفراغ؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.