أما وقد وقّع الاتفاق ما بين إيران والدول الكبرى حول برنامج الأولى النووي، وهلّل له من هلّل وعابه من عاب، فإن السؤال على كلّ شفة ولسان يبقى: ما هي آثار هذا الاتفاق على بلدان المنطقة لا سيّما العراق وسوريا ولبنان، حيث لإيران نفوذ كبير؟ بمعنى آخر، هل تنبئ أجواء الانفتاح والتعاون التي أفضت إلى اتفاق جنيف حول مسألة متنازع عليها منذ عقود، بتغيير في السياسة الخارجيّة الإيرانيّة فتتخلى طهران عن إستراتجيّة الممانعة وهدف تصدير الثورة الذي كان العنوان الملازم لسياستها الخارجيّة والذي أفرز الأدوات المولجة تنفيذها وعلى رأسها مؤسّسة حزب الله الذراع العسكري لإيران في لبنان وفي سوريا مؤخراً؟ وهل ما يدور من كلام حول صفقة إيرانيّة-أميركيّة مهّدت لهذا الاتفاق، يتعدّى نظريّة المؤامرة ويرتكز إلى أساسيات أو نقاط التقاء إستراتجيّة ما بين الأفرقاء؟
وفي البداية، لا بدّ من التذكير بالمتغيّرات على الساحة الإيرانيّة. فهي قد شكّلت الموجة التي أتت بهذا الإنجاز على المستوى الدبلوماسي. ونقطة التحوّل الأساسيّة كانت وصول حسن روحاني إلى سدّة الرئاسة الإيرانيّة. صحيح أن الرجل ابن النظام ولا يمتّ إلى الثوار بصلة، لكن صحيح أيضاً أن من أمّن فوزه وحمله إلى الرئاسة عبر صناديق الاقتراع ومن الدورة الأولى في ما يشبه الانتصار الكاسح، هو جيل من الشباب الإيراني توّاق إلى التغيير سئم الأيديولوجيات القاتلة بالإضافة إلى شرائح من المجتمع الإيراني أرهقتها العقوبات الاقتصاديّة المفروضة على إيران فضاقت ذرعاً بسياسات التصعيد والمواجهة وتصدير الثورات التي أوصلت البلد إلى حافة الانهيار الاقتصادي ووضعته في شبه عزلة عن العالم. وصول روحاني شكّل بمعانيه وبالقوى الرافعة له انقطاعاً عن السياسات السابقة. وما الكلام الذي أطلقه روحاني نفسه في تقييمه للأيام المئة الأولى من حكمه وما تضمّنه من انتقاد واضح لسلفه عبر تغريداته على موقع "تويتر"، سوى الدليل الساطع على هذه القطيعة.
لاقى الغرب المجتمع الإيراني في خياراته لا بل راهن عليه متخطياً مع ما يتضمّن هذا التخطي من مخاطر، هواجس الحلفاء الأقربين والأبعدين المتخوّفة من النوايا الإيرانيّة المبيّتة. لكن للولايات المتحدة الأميركيّة استحقاقات داهمة على رأسها الانسحاب من أفغانستان وضرورة التنسيق مع الطرف الإيراني ولو بالحدّ الأدنى، أقله للحدّ من خسائر هذا الانسحاب. والتعاون قد ينسحب على ساحات أخرى بحاجة إلى تسويات مثل العراق المأزوم وسوريا المشتعلة ولبنان المعلّق، ناهيك عن ضرورة مواجهة الموجة الجهاديّة التكفيريّة الصاعدة في هذه البقاع المشرقيّة. الدوافع من أجل تعاون إيراني-أميركي كثيرة. لكن ما كان يعيقه هو الملف النووي الذي شكّل تحدياً أساسياً على مستوى مصالح الولايات المتحدة الإستراتجيّة في المنطقة، ناهيك عما يشكله من إحراج بالنسبة إلى العلاقة مع إسرائيل، هذا بالإضافة إلى اعتبارات أيديولوجيّة جعلت من الولايات المتحدة في نظر نظام الملالي، "الشيطان الأكبر". أما وقد أزيح الخطر النووي بفعل هذا الاتفاق وأسقط الغزل الإيراني المستجدّ للولايات المتحدة مقولة "الشيطان الأكبر"، تبدو فرص هكذا تقارب أكبر بكثير بخاصة أن أكثر من لوبي في واشنطن يسعى ويعمل من أجله.
لكن هذا التقارب دونه عقبات، ليس أقلّها استبعاد لاعبين أساسيّين على الساحة الشرق أوسطيّة قد تكون مفاعيله على حسابهم. وعلى رأس هؤلاء، المملكة العربيّة السعوديّة التي وإن رحّبت "رسمياً" باتفاق جنيف إلا أنها عبّرت من خلال سلسلة مواقف كان آخرها رفضها الجلوس إلى طاولة مجلس الأمن، عن امتعاضها من غضّ نظر واشنطن عن تنامي النفوذ الإيراني وعجز المجتمع الدولي عن وضع حدّ لمأساة الشعب السوري. فلم ترَ المملكة بعين الرضى كيف تمّ انسحاب الولايات المتحدة من العراق عبر مراهنة خاطئة على حكومة نوري المالكي، وكيف تراجعت مؤخراً عن الضربة العسكريّة لقوات النظام السوري لتفضي الأمور إلى أتفاق مع الطرف الروسي بشأن الكيماوي قفز فوق حقوق الشعب السوري. وفي الحالتين، دفع المكوّن السنّي الذي يشكّل امتداداً لنفوذ المملكة فاتورة التساهل الأميركي مع إيران وحلفائها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.