وفجأة تعثر مسار تشكيل الحكومة في لبنان، تماماً كما كان ، وفجأة أيضاً، قد تحلحل منذ اسابيع. لم ولن يتوقف مسلسل المفاجآت فقد ترى النور الحكومة في الأيام المقبلة. أما "العقدة المسيحية"، لم يتضح بعد إذا ما كانت هي فعلاً ما حال دون تأليف الحكومة أو أن هناك أسباباً أخرى أوأبعاداً إقليمية لدى الأطراف الفاعلة في عملية التشكيل تتخذ من الإعتراضات أو المطالب المسيحية غطاءً لعودتها عن ما قامت به مؤخراً من تسهيلات وتنازلات أشاعت أجواء التفاؤل بقرب ولادة الحكومة العتيدة.
لا أحد يشك بالبعد الداخلي لإشكالية تأليف الحكومة .التوازنات الدقيقة التي كان يقوم عليها البلد الصغير تداعت بفعل إنكشاف الساحة اللبنانية على صراعات الشرق الأوسط ودخول اللاعبين الإقليميين الكبار على البلد الصغير وإستخدامهم لمعادلة الطوائف في التركيبة اللبنانية. ولا أحد يشك نتيجة ذلك أن هناك ،ومنذ توقيع إتفاق الطائف، شعوراً غالبأً لدى المسيحيين بالتهميش والغبن لا بل قل الشعور بالخديعة الناتج عن إدراكهم أن التنازل عن الأمتيازات التي ضمنها لهم دستورما قبل وثيقة الطائف لم يأتي بالأهداف المرجوة إن كان لجهة ضمان سيادة البلد الصغير أو لجهة درئه عن صراعات المنطقة. لا بل كانت أولى سنين الطائف عنواناً للوصاية السورية وتلاشي مقومات السيادة الوطنية . ولطالما تركزت المطالب المسيحية ومنذ الإستقلال على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. لهذه الأسباب لم يشارك لبنان بفعل وعي قياداته الوطنية والمسيحية على وجه الخصوص المسيحية بأي من الحروب العربية الإسرائلية متمسكاً بإتفاق الهدنة الموقع عام 1949، وللأسباب نفسها رفضت الزعامات المسيحية إمتداد الموجة الناصرية الى الداخل اللبناني الذي كان على وشك الوقوع في حرب أهلية لولا حكمة عبد الناصر نفسه الذي أدرك أهمية الحياد لبلد قائم على التنوع ومحكوم بتوازنات دقيقة فوقع مع الرئيس فؤاد شهاب إتفاقاً ضمن تحييد لبنان بالحد الأدنى، ولهذه الأسباب أيضاً وأيضاً إصطدمت الأحزاب المسيحية مع المقاومة الفلسطينية لإعتقادهم أن العمل الفدائي إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية يشكل تحدياً لسيادة دولتهم لا بل يهدد كيانهم. وما لبثت باقي القيادات اللبنانية التي أدركت خطورة أنكشاف الساحة اللبنانية على الصراع العربي الإسرائيلي أن لاقتهم في هذا الموقف ورفضت بالإجماع عام 1982 إتفاق القاهرة الموقع عام 1969 والذي يشرع وجود وعمل المقاومة الفلسطينية في لبنان.
الملفت اليوم في عملية تشكيل الحكومة وما يرافقها من مواقف وثوابت للأطراف الداخلية أن المطالب المسيحية وكما تعبر الكتلة المسيحية الأوسع في البرلمان، خرجت عن الثوابت المسيحية التاريخية المطالبة أولاً بتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية وإنحصرت بالإصرار على الإحتفاظ ببعض الوزارات وعلى رأسها وزارة الطاقة لإعتبارات قيل أنها "إستراتجية". صحيح أن مبدأ المداورة في الوزارات على الطوائف لم يعمل به بالسابق وطرحه اليوم وفي الساعة الأخيرة قبل إنتهاء العهد يثير أكثر من علامة إستفهام، ولكن صحيح أيضاً أن حصر "الحقوق المسيحية" بوزارة أو حصة وزارية بعد تغييب المطلب الأساس وهو ضرورة تحييد لبنان عن الحرب الدائرة في سوريا مع ما يستوجب ذلك من ضرورة إنسحاب حزب الله من المعارك الدائرة رحاها في البلد الجار، يشكل خروجاً مقلقاً عن الثوابت التاريخية وفرصة ضائعة كان بالإمكان توظيفها في خدمة لبنان وضماناً حقيقياً للمسيحييه.
والواقع أن تقلص الوزن المسيحي في الداخل اللبناني لم يأت بفعل تغيير موازين القوى الإسترتجية والدمغرافية فحسب إنما أيضاً بفعل أداء المسيحيين أنفسهم أو من يمثلهم وبفعل إنتهاج بعض السياسات الضيقة وإطلاق بعض الشعارات التي من شأنها تقزبم الدور المسيحي. فالمراقب عن بعد لأداء المجموعات اللبنانية وثوابتها يتوقف عند المشهد التالي: تيار المستقبل ، الممثل الأول للسنة في لبنان، متمسك بالمحكمة الدولية وبإتفاق الطائف، يرفع شعار لبان أولاً وذلك لمواجهة مشروع "المقاومة" المدعوم إيرانياً وسورياً؛ حزب الله في المقابل وهو الممثل الأول للشيعة في لبنان متمسك هو بدوره بمشروع المقاومة هذا وعلى أساسه متمسك بسلاحه الذي يعطيه دوراً وازناً في المعادلة الداخلية لا بل الإقليمية. أما الطرف المسيحي وعبر الكتلة الأكثر عدداً يبدو وكأنه حصر إهتمامه بالحصة الوزارية وغاب عن الموضوع الأساس المتعلق بمستقبل الكيان ومقومات الدولة الحاضنة له. بيد أن الفرصة متاحة ، إلى هذا الطرف أن يعود إلى الثوابت المسيحية الضامنة لللصيغة اللبنانية والتي تقول بضرورة تحييد البلد الصغير عن صراعات الكبار المحيطين به. نعم الفرصة متاحة وهي تاريخية لا سيما أن المطلوب هو العودة إلى "إعلان بعبدا" الذي أقر في حزيران 2012 وبموافقة جميع الأطراف بما فيها حزب الله والذي طالب بتحييد لبنان عن الصراع الدائر في سوريا. الإلتزام بالحياد ودعوة الجميع إلى الإلتزام به يعيد الإعتبار للدور المسيحي ، يلاقي الجهد الدولي لإنقاذ ودعم لبنان، ويشكل الضمانة الأولى لمسيحييه ومسلميه .ولأن الشريكين الآخرين على خصام بعدما تفاقمت أبعاد الفتنة السينية الشيعية، يعود للمسيحيين أن يلعبو الدور الجامع بين أهل البيت وينقذوا الدار قبل أو بدل التنافس على محتوياته.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.