ما لم تطرأ تطورات مفاجئة، يفترض أن تقر الحكومة اللبنانية الجديدة بيانها الوزاري، الذي ستذهب إلى البرلمان لنيل الثقة على أساسه. بيان مقتضب، مع بنود شبه بديهية. أهمها مواجهة الإرهاب الذي يضرب لبنان، وتأمين مصالح الناس المعيشية، والعمل على إجراء انتخابات رئاسية ضمن المهلة الدستورية، اي قبل 24 ايار المقبل. نقطة واحدة لا تزال خلافية، هي تلك المتعلقة بمفهوم "المقاومة"، والتي بات متعارفاً داخلياً وخارجياً على انها تعني التشريع الرسمي اللبناني لسلاح حزب الله.
علماً ان هذه المسألة مرت في مراحل وصيغ عديدة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1990. ذلك أن الحكومة الأولى التي تلت اتفاق الطائف، وغطت دخول البلاد تحت الوصاية السورية بعد 13 تشرين الأول من ذلك العام ، أطلقت مبدأ تشريع "المقاومة" عبر تضمين بيانها نصاً صريحاً يتحدث عن "دعم المقاومة الباسلة". بعدها لم تكن المسألة يوماً موضع نقاش. حتى بعد انسحاب سوريا من لبنان في 26 نيسان 2005، ورغم وجود الفريق الحريري على رأس حكومات عدة تلت "عهد الاستقلال الثاني"، ظل الموضوع يمر من دون صعوبات تذكر. حتى أن مفارقة غريبة سجلت في هذا السياق. ففي 7 أيار 2008 وقع صدام مسلح بين عناصر من الفريق السني الحريري وآخرين من فريقي حزب الله وحركة "أمل" الشيعيين. بعدها علت أصوات الفريق الحريري وحلفائه، معلنة أن ما كانوا يعتبرونه "سلاح مقاومة" تحول نحو الداخل. وهو فقد بالتالي شرعيته. غير أن تلك المعركة لم تلبث أن أدت إلى ذهاب الزعماء اللبنانيين إلى قطر، حيث أقروا اتفاق الدوحة في 21 أيار من ذلك العام. وهو الاتفاق الذي تضمن توافقاً على قانون جديد للانتخابات النيابية، ومرشح وحيد لرئاسة الجمهورية، وموازين الحكومة الأولى في العهد الرئاسي الجديد. إضافة إلى نقطة أخيرة تمثلت في تضمين البيان الوزاري لتلك الحكومة في 11 تموز 2008، والتي كانت يومها برئاسة فؤاد السنيورة، ما بات يعرف باسم "ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة". اي تأكيد السلطات اللبنانية الرسمية "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر المحتلة، والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسّك بحقّه في مياهه، وذلك بكافة الوسائل المشروعة والمتاحة".
غير أن معطيات كثيرة استجدت بعد ذلك. أبرزها إسقاط حزب الله وحلفائه لحكومة سعد الحريري في كانون الثاني 2011، ومن ثم اندلاع الحرب السورية وتورط الأطراف اللبنانية فيها. حدثان جعلا المواقف من الجهتين المتصارعتين تذهب إلى حد التناقض الكامل. فرفع الفريق الحريري شعار رفض الجلوس مع حزب الله ضمن حكومة واحدة إلا بشرطين: انسحابه من سوريا وإلغاء مبدأ تشريع الحكومة لسلاحه. ورفع حزب الله في المقابل شروطاً مضادة أبرزها حصوله مع حلفائه على أكثر من ثلث المقاعد الوزراية لقبول بأي شراكة مع الحريري ضمن حكومة واحدة. إلى أن طرأت تطورات إقليمية وخارجية، فسقطت الشروط المتبادلة، وتشكلت الحكومة الحالية.
هكذا يبدو من التجارب السابقة، أن الشعارات المرفوعة في السياسة اللبنانية، غالباً ما تكون نوعاً من تكتيك التفاوض، أكثر منها تحديد المبادئ. أما عند الاتفاق فيظهر دوماً أن المطالب المعلنة هي أدوات للاستهلاك لا أهداف للتحقيق. وفي هذا السياق يبدو أن هذه القاعدة اللبنانية ستشهد خلال الأيام المقبلة تجسيداً جديداً. فالفريق الحريري مع حلفائه، ظل حتى الأمس القريب يؤكد رفضه أي تشريع لسلاح حزب الله عبر البيان الحكومي، مباشرة أو ومداورة. فيما كان فريق حزب الله يرد بطرح من اثنين: إما تمسكه الحاسم والنهائي بتكرار ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"، حتى ولو أدى ذلك إلى تعثر إقرار البيان الوزاري أو حتى حجب الثقة عن الحكومة الجديدة، وبالتالي تحولها إلى حكومة مستقيلة خلال 30 يوماً من إعلان تشكيلها في 15 شباط، كما ينص الدستور. وإما إعتباره أن حق اي شعب في مقاومة أي احتلال أمر طبيعي لا يحتاج إلى أي تشريع حكومي، وبالتالي فهو غير معني بأي نص مطابق أو مناقض يتضمنه بيان الحكومة! غير أن الواضح أن الفريقين يتجهان مرة جديدة إلى التخلي عن موقفيهما. ذلك أن اجتماعين اثنين للجنة إعداد البيان العتيد كانا كافيين للتأكيد مرة جديدة على أن كل شيء في لبنان قابل للتبدل. فتراجع الفريق الحريري عن شروطه، وكذلك فعل حزب الله، وراح الطرفان يبحثان في صيغة وسطية أو صياغة لغوية تسووية، توفق بين رفض "المقاومة" وبين فرض "ثلاثيتها".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.