قدّم وزير المالية اللبناني مشروع موازنة عام 2014. تعد هذه الخطوة متأخرة إذا ما قورنت بالدول المتقدمة، إذ تقرّ الموازنات في بداية العام أو في نهاية العام الذي يسبق. ولكن في لبنان المتنقل من فراغ حكومي إلى فراغ رئاسي على مستوى مؤسساته، والذي لم تنتظم فيه عملية إقرار الموازنات منذ فترة ، فتبدو هذه الخطوة إيجابية ومشجعة للوهلة الأولى، ومن حيث الشكل. أما من حيث المضمون وبعد إستعراض أولي لبنود الموازنة والإطلاع على تفاصيلها، فتتبدل الصورة ويحل القلق مكان السرور بالإنجاز الشكلي.
أولى الملاحظات لا بل المافجآت هي نسبة العجز المقدم والبالغ 5.1 مليار دولار، أي بزيادة 20.6% عن عجز السنة الماضية. يدعو هذا الأمر حقاً للإستغراب ويدفع إلى التساؤل عما إذا كان الأولياء على الشأن العام مدركين لخطورة الوضع الإقتصادي وملمين بطرق معالجته. فإذا ما كانوا جاهلين لواقع الأمور فهذه مصيبة، أما إذا كانوا على دراية منه ومع ذلك مستمرين بسياسات الإنفاق وغياب الإصلاح فالمصيبة أعظم.
لا يغيب عن أي بال أن المشكلة الأساس في الإقتصاد اللبناني هي نسبة عجز الخزينة التي تفوق كل المقاييس والمعايير المقبول بها عملياً. وهي باتت تهدد الوضع المالي والنقدي بالإنهيار كونها السبب الأساس في تنامي الدين العام. بحسب مؤسسات التصنيف العالمية فإن غياب الإصلاح والتمادي بالإنفاق غير الإستثماري، خاصة في ظروف ركود كاد يصبح مستداماً حيث مازال مستمراً للسنة الثالثة على التوالي، قد فاقما مشكلة الدين والمخاطر الملحقة به. وما زاد الطين بلة وعلى الأزمة أزمات هي تداعيات الحرب السورية التي أرهقت الإقتصاد بشكل مباشر، وما خلفته من أزمات في الداخل اللبناني ليس أقلها الفراغ القاتل الذي يعيش.
والمذهل أنه وفي الوقت الذي يختنق فيه البلد الصغير إقتصادياً وسياسياً، ولا شي في الأفق يعد بدنو الحل وعودة النمو، تتقدم وزارة المالية بمشروع موازنة لا يشي بأي جهد من شأنه أن يضبط العجز ويقلص الإنفاق، أو يبقي أقله على شيء من التوازن بين النفقات ونسب النمو المتوقعة. فالحكمة كانت تقتضي، وأفق النمو قاتمة والحلول السياسية بعيدة، بتمرير الأزمة بأقل كلفة ممكنة. ولكن الموازنة أتت بعكس ذلك.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.