لم يكن مرور نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّة للشؤون العربيّة والأفريقيّة حسين أمير عبد اللهيان، إلى بيروت على مدى يومي 1 و2 أيلول/سبتمبر مجرّد خطوة شكليّة في طريقه إلى دمشق، بل جاءت زيارة المسؤول الإيراني لتحمل أكثر من رسالة لبنانيّة وإقليميّة ودوليّة. رسميّاً، التقى اللهيان عدداً من المسؤولين اللبنانيّين، بينهم رئيس الحكومة تمّام سلام ورئيس البرلمان نبيه برّي ووزير الخارجيّة جبران باسيل، إضافة طبعاً إلى لقائه أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله. لكنّ اللافت في زيارة المسؤول الإيرانيّ، كان لقاءه أيضاً ممثّلة الأمين العام للأمم المتّحدة في لبنان سيغريد كاغ، وكذلك الموفد الدوليّ الخاصّ إلى سوريا ستيفان ديمستورا.
أكّد قريبون من بعض المسؤولين اللبنانيّين الذين اجتمعوا باللهيان، لموقعنا أنّ الرجل حرص على تطمين الذين التقاهم في بيروت حيال ثبات المواقف الإيرانية من قضايا المنطقة، حتى بعد الاتفاق النووي. وهو كان دقيقاً في إيصال مضامين الرسائل التي يحملها إليهم. فعلى الصعيد اللبنانيّ الداخليّ، بات معلوماً أنّ التركيز منصبّ راهناً على قضيّة الشغور في رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، ومحاولة انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، وذلك وسط خوف من تدخّلات خارجيّة أو حتّى أمميّة في هذه المسألة، خصوصاً أنّ مصادفة جعلت زيارة اللهيان إلى بيروت تتزامن مع صدور بيان عن مجلس الأمن الدوليّ الصادر في 2 أيلول/سبتمبر، يدعو إلى انتخاب رئيس لبنانيّ سريعاً. لذلك، يروي الذين التقوا اللهيان أنّ المسؤول الإيرانيّ أكّد لمضيفيه في بيروت أنّ طهران لا تتدخّل إطلاقاً في مسألة انتخاب الرئيس اللبنانيّ الجديد، وهي تصرّ على أن تترك هذه المسألة للّبنانيّين وحدهم، من دون أيّ تدخّل خارجيّ من أيّ نوع كان وبعيداً عن أيّ ضغوط على أيّ طرف لبنانيّ. ويكشف مسؤول لبنانيّ حضر أحد لقاءات اللهيان، عن أنّ كلام الرجل كان واضحاً في تلميحه إلى أنّ جهّات أوروبيّة فاتحت بلاده في موضوع الرئاسة اللبنانيّة، وأنّ بعض المسؤولين الأوروبيّين الذين زاروا طهران في الفترة الأخيرة، حاولوا طرح نوع من صفقة على المسؤولين الإيرانيّين، تقضي بأن يمارس هؤلاء ضغطاً على حزب الله في موضوع الرئاسة اللبنانيّة، مقابل وعود أوروبيّة وغربيّة في ملفّات أخرى لم يكشف اللهيان عنها. غير أنّ طهران كانت حاسمة في إبلاغ هؤلاء بأنّ هذا الموضوع مستحيل كليّاً بالنسبة إلى المسؤولين الإيرانيّين، وبأن الشؤون اللبنانيّة عموماً، ورئاسة الجمهوريّة خصوصاً، أمور متروكة في إيران لتقدير حزب الله وقراره في لبنان، وذلك بتوجيه مباشر من مرشد الثورة السيّد علي خامنئي، وبالتالي فلا قدرة لأيّ جهّة أخرى على تخطّي ذلك. وبالتالي، يتابع المسؤول اللبنانيّ الذي طلب عدم كشف اسمه، أنّ تأكيد اللهيان المتجدّد لمضيفيه في بيروت، أنّ بلاده ترفض التدخّل في الشؤون اللبنانيّة، كان رسالة متجدّدة بأنّ طهران تقف بكامل قوّتها خلف ما يراه حزب الله في أيّ موضوع لبنانيّ، وخصوصاً في مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة اللبنانيّة.
أمّا في الموضوع السوريّ، فيكشف المسؤول اللبنانيّ نفسه عن أنّ اللهيان أوحى بأنّ المبادرة التي تقوم بها بلاده حاليّاً حيال الأزمة السوريّة، تكاد تكون خطوة مشتركة بينها وبين موسكو وحتّى واشنطن، ملمّحاً إلى أنّ روسيا كانت مترددة حيال دعمها الكامل لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة وبقاءه لقيادة أي عملية تسوية مطروحة للأزمة السورية، وذلك أثناء مفاوضات كانت موسكو تجريها مع الرياض خصوصاً والأرجح مع واشنطن أيضاً، وذلك في انتظار نتائج مباحثاتها مع المسؤولين السعوديّين، لكنّها عادت أخيراً وحسمت قراراتها وخياراتها بدعم بقاء الأسد، وهو ما سمح بتنسيق أكبر بين الدبلوماسيّتين الروسيّة والإيرانيّة حول القضيّة السوريّة. وإذ لم يفصح المسؤول الإيرانيّ عن تلك التفاصيل المقصودة، يرجّح المسؤول اللبنانيّ في حديثه إلى موقعنا، أن يكون القصد بأنّ التفاوض السعوديّ مع روسيا في الأسابيع الماضية، وخصوصاً بعد زيارة ولي العهد محمّد بن سلمان إلى موسكو في 18 حزيران/يونيو الماضي، جعل الموقف الروسيّ من موضوع بقاء الرئيس السوريّ بشّار الأسد أو رحيله، يقع في دائرة من الغموض أو عدم الحسم. لكنّ فشل المباحثات بين موسكو والرياض لاحقاً، والذي ظهر جليّاً مع زيارة وزير الخارجيّة السعوديّة عادل الجبير إلى روسيا ولقائه نظيره سيرغي لافروف في 11 آب/أغسطس الماضي، سمح مجدّداً للقيادة الروسيّة بحسم خياراتها حول المسألة السوريّة. وهو ما ترجم في تصريحات للافروف نفسه، كما للرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، تؤكّد شرعيّة الأسد وبقاءه، وما جعل التنسيق بين الموقفين الروسيّ والإيرانيّ أكبر، بحسب ما يقول المسؤول اللبنانيّ إنّ اللهيان أوحى به.
ويتابع المسؤول اللبنانيّ نفسه أنّ كلام اللهيان كان واضحاً لجهّة التأكيد أنّ مبادرة بلاده، أيّاً كانت تفاصيلها أو مقترحاتها العمليّة، فهي لن تساوم على خارطة طريق تقول ببقاء الأسد رئيساً، وتوليه هو تشكيل حكومة وحدة وطنيّة تضمّ معارضين سوريّين، تحقّق إصلاحات سياسيّة ودستوريّة متّفقاً عليها، قبل أن تصل إلى إجراء انتخابات نيابيّة سوريّة عامّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.