في مطلع شباط/فبراير الحاليّ، صادق البرلمان التونسيّ على مشروع قانون جديد يتعلّق بالانتخابات البلديّة والمحليّة، منح فيه المنتسبين إلى المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة حقّ الانتخاب للمرّة الأولى في تاريخ البلاد. هذه السابقة أثارت جدلاً واسعاً في تونس بين من يعتبر ذلك حقّاً يجب أن يتمتّع به العسكريّون كغيرهم من المواطنين، ومن يعد ذلك تهديداً لحياد المؤسّسة العسكريّة وزجّاً بها في الشأن السياسيّ.
بعد سنوات من الحياد التامّ والصارم تجاه كلّ ما هو سياسيّ وانتخابيّ، سيتوجّه جنود الجيش التونسيّ وضبّاطه وعناصر المؤسّسة الأمنيّة إلى مراكز الاقتراع لاختيار من يمثّلهم في المجالس المحليّة والبلديّة، خلال الانتخابات المقبلة، وفقاً للفصل السادس من قانون الانتخابات المحليّة الجديد القائل " يُرسّم في سجل الناخبين العسكريون وأعوان قوات الأمن الداخلي في الانتخابات البلدية والجهوية دون سواهما ". لكنّ ذلك يبدو متعارضاً مع الفصل 18 من الدستور التونسيّ الذي يشير إلى أنّ "الجيش الوطنيّ جيش جمهوريّ يضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التامّ"، والفصل 19 الذي يلزم المؤسّسة الأمنيّة بالحياد التامّ.
وفي هذا السياق، يقول العضو السابق في الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في تونس سامي بن سلامة لـ"المونيتور: "إنّ الأمنيّين والعسكريّين ومختلف عناصر القوّات الحاملة للسلاح هم مواطنون من نوع خاصّ ومتميّز. لذلك يجب على الدوام ملائمة الحقوق التي يمكن أن يتمتّعوا بها كمواطنين مع احترام المبادئ التي يخضع إليها من ينخرط في الحياة الأمنيّة والعسكريّة وهي خصوصاً، الانضباط، والولاء، والحياد، والاستعداد والجهوزيّة. لذلك فإنّ منحهم حقّ التصويت في الانتخابات ولو كانت بلديّة في ظلّ مسار انتقاليّ غير مكتمل ويشهد صعوبات لا حصر لها وفي ظلّ محاولات للاختراق من قبل الأحزاب، يعتبر عمليّة خطيرة من شأنها التأثير على تلك المبادئ الأربعة، وبالتالي على عملهم وإنزالهم إلى الحلبة السياسيّة، على الرغم منهم". لكن لا أحد يعلم رأي المؤسسة العسكرية في تونس حول الأمر لأن قياداتها وجنودها شديدو التحفظ والانضباط ولا يعبرون عن أراءهم السياسية في وسائل الإعلام.
ويشير بن سلامة إلى المخاطر الأمنيّة التي تحفّ بمنح العسكريّين والأمنيّين حقّ التصويت بالقول: "علاوة على ما يطرحه تسجيلهم بقائمات الناخبين من كشف لهويّاتهم ومقرّاتهم، وما سيخلّفه تصويتهم من كشف لانتماءاتهم الفكريّة والسياسيّة". وشهدت تونس منذ عام 2011 العديد من العمليّات الإرهابيّة التي تقف خلفها مجموعات جهاديّة بعضها موالٍ لتنظيم القاعدة ككتيبة عقبة بن نافع، وبعضها الآخر موالٍ لتنظيم "داعش"، وقد خلّفت هذه العمليّات أكثر من 220 قتيلاً في صفوف قوّات الأمن والجيش و98 قتيلاً مدنيّاً، وفقاً لمسح قام به موقع إنكيفادا المحليّ. وكان أخرها هجوماً استهدف عربة عسكرية في جبل سمامة غرب البلاد وأودى بحياة ثلاث عناصر من الجيش في أغسطس/أب 2016.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.