كانت المعركة عند الحدود العراقية-السورية، على مقربة من التنف، في السادس من آب/أغسطس الماضي، عنيفة. لقد أقدم الجهاديون، في القتال الوحشي، على قتل الجميع ما عدا شاب إيراني. فقد جرى القبض على حججي، وهو مقاتل من الحرس الثوري الإسلامي، والسير به عبر ساحة المعركة فيما يُخيّم الموت في الأجواء ويتصاعد الدخان حوله. لم تظهر على وجه حججي، ذي العينَين الثاقبتين، أي ملامح خوف. بعد بضع دقائق، وُضِع رأسه المقطوع على بطنه، فيما راح ثلاثة أولاد – أحدهم بالكاد يبلغ الخامسة من العمر – يدوسون على جثته ورأسه.
طوال ستّة أعوام تقريباً، كان المتشدّدون الإيرانيون الذين يروّجون للتدخل العسكري في سوريا يبحثون جاهدين عن رواية على غرار قصة حججي. كانت حجتهم أنه من شأن تدعيم دفاعات حليفهم المخضرم – الرئيس السوري بشار الأسد – أن يجعل إيران أكثر أماناً. على هذا الأساس، كان مقتل حججي بمثابة هدية من الله بالنسبة إلى اللواء قاسم سليماني، المخطِّط الاستراتيجي المحنّك والمكيافيلي المسؤول عن نشر آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء العالم الشيعي في سوريا. قال سليماني الملقّب بـ"الشهيد الحي" في إيران: "من أجل تمجيد أهمية مسألة معيّنة، يخلق الله أحياناً حادثة ما"، مضيفاً: "كان استشهاد حججي بمثابة تمجيد للتضحيات في سبيل الدفاع عن المقامات [الشيعية المقدّسة]". لطالما لُقِّب مَن يتطوّعون للقتال في سوريا بـ"المدافعين عن الضريح" في الخطاب الرسمي الإيراني، في إشارة إلى ضريح السيدة زينب، وهو مقام شيعي، في جنوب دمشق.
لقد أدرك سليماني، وهو من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية-العراقية بين 1980 و1988، قوة البروباغندا التي تتمتع بها حكايات على غرار قصة حججي، وقدرتها على حشد الرأي العام الإيراني وإسكات منتقدي المغامرة التي تخوضها الجمهورية الإسلامية في سوريا. وبغية ممارسة الحد الأقصى من التأثير، جُسِّدَت عملية ذبح حججي من خلال الأيقونات الشيعية عن معركة كربلاء في العام 680 التي ذُبِح فيها الحسين بن علي، حفيد النبي محمد والإمام الشيعي الثالث، وفُصِل رأسه عن جسده على أيدي جنود أحد الخلفاء الأمويين. في أحد هذه التجسيدات، يظهر حججي وهو يسير نحو رجل مقطوع الرأس يرتدي لباساً أبيض، ويُعتقَد أنه الحسين بن علي.
أدرك القادة الإيرانيون، الذين يتسلّمون زمام السلطة منذ العام 1979، أنه كي تتمكّن جمهوريتهم الشيعية الوليدة من الصمود في شرق أوسط معادٍ يسيطر عليه السنّة، يحتاجون إلى أدوات بروباغندا قوية تُلامس مباشرةً مشاعر الشيعة في الداخل. من هذه الروايات قصة حسين فهميدة، ابن الـ13 عاماً، الذي قصد الجبهة الأمامية لمحاربة الجيش العراقي الغازي في العام 1983. على الجبهة الجنوبية، على مقربة من مدينة خرمشهر حيث كان الإيرانيون يقاتلون ضد الهجمات العراقية، يُقال إن فهميدة لفّ حزاماً مصنوعاً من قنابل يدوية عدة حول خصره وفجّر نفسه تحت دبابة عراقية كانت تتقدّم باتجاه المكان، ما أدّى إلى توقّف الهجوم. انتشرت جداريات عن فهميدة في مختلف أنحاء إيران. وجُسِّدت حكايته في أفلام، حتى إنها أُدرِجت في المنهاج الدراسي الوطني. لقد نشأت أجيال من الإيرانيين على التعلّم عن التضحية التي قدّمها فهميدة، ما ساهم في تحريض آلاف الأطفال الآخرين الذين توافدوا بأعداد كبيرة إلى الجبهة الأمامية، واستخدمهم الحرس الثوري الإسلامي في هجمات "الموجات البشرية" لمنع الجيش العراقي من التقدّم. لقد أطلق الإيرانيون على الحرب مع العراق اسم "الدفاع المقدّس".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.