لم ينجح لبنان بمكوّناته المختلفة في انتخاب رئيس وفق الأحكام والمهل المحدّدة في الدستور. اختار الفراغ. ذهب إليه بنوع من العدميّة. ومن سخرية القدر، أنه ذهب إلى الفراغ تحت عنوان الميثاقيّة. كأن الفراغ قدر البلد الصغير الذي غاب عنه التوافق وأصبح من جرّاء ذلك مادة وساحة لصراعات الكبار. الفريق الذي قاطع جلسات الانتخاب ولجأ إلى التعطيل فعل ذلك كما ادّعى حرصاً على الميثاقيّة. والمقصود هنا توافق الطوائف في ما بينها حول موضوع ما. بمعنى آخر انتخاب رئيس للجمهوريّة محكوم بتوافق الطوائف، أي بتوافق زعمائها عملياً. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الصفة التمثيليّة للكتل ولزعمائها هي أصلاً في أزمة مشروعيّة، كونها منبثقة عن قانون انتخاب مجحف يشكّل الطعنة الأولى للميثاقيّة إذ لا يؤمّن تمثيلاً عادلاً للطوائف لا سيّما الطائفة المسيحيّة ولا يراعي قاعدة المناصفة وهي إحدى ركائز الميثاقيّة.
صحيح أن الميثاقيّة هي القاعدة التي يقوم عليها العقد الاجتماعي وهو في الأساس الميثاق القائم ما بين مكوناته، وهذه حال البلدان التعدّدية كافة. لكن صحيح أيضاً أن التجسيد الأول لهذه الميثاقيّة هو الدستور بأحكامه وأصوله وما يلحظه من آليات لحسم الخلافات الداخليّة وتسيير عمل المؤسسات وتلافي الفراغ. من هذه الزاوية تحديداً، فإن عدم إجراء الانتخابات هو في حدّ ذاته تعدٍّ على الميثاقيّة وليس العكس.
لا شك في أن الدستور ووثيقة الطائف يحملان ثغرات عديدة أظهرتها تجربة السنوات الأخيرة. ولا شك في أن الوصاية السوريّة في مرحلة 1990-2005 لم تأبه بأحكام الدستور ولا بأسسه الميثاقيّة وفرضت على الواقع السياسي أنظمة حكم هجينة مثل نظام الترويكا أو قوانين انتخابيّة كان الهدف الأول منها رسم معادلة داخليّة تكرّس حكم الوصاية وتطيل أمدها. ولا شك في أن في الفترة التي لحقتها والتي تميّزت بغلبة حزب الله وفائض قوّته على الساحة الداخليّة، سعى هذا الأخير إلى مأسسة بعض الممارسات مثل الثلث المعطّل في القرارات الحكوميّة الذي وفّر له قدرة تعطيليّة انسحبت على مستويات الحكم ومؤسساته كافة، الأمر الذي اعتبره الفريق الآخر خروجاً عن الدستور وعن الروح الميثاقيّة.
وواقع الأمر أن الميثاقيّة وقبل أن تتحوّل شعاراً يشي بنوايا هذا المبيّتة أو بمخاوف ذاك، هي أصلاً في مأزق بليغ. العقد ما بين المكوّنات اللبنانيّة يعاني من خلل ظهر إلى العلن مع تراجع النفوذ السوري منذ العام 2005. خلل يمكن اختصاره بنقطتَين: أولاً أزمة الشراكة وتوزيع السلطة بين المكوّنات الطائفيّة، تضاف إليها إشكاليّة تمثيل هذه الأخيرة وحقها في اختيار ممثليها. ثانياً تعليق مشروع الدولة. وذلك نتيجة غياب التوافق على وجهة الحكم ومقوّماته. بالطبع، هذا يطرح في العمق موضوع سلاح حزب الله ومشروعيّته، ويطرح كذلك الموقف من سائر القضايا الإقليميّة أكانت تلك المتعلقة بالصراع مع إسرائيل أو تلك الأخرى المرتبطة بالنزاع مع إيران الذي اتخذ أبعاداً مذهبيّة غير مسبوقة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.